النكت واللطائف من كلام الإمام الذهبي -رحمه الله- مميز

  • الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00
  • حجم الخط
  • No comment
 

 

النكت واللطائف من كلام الإمام الذهبي -رحمه الله-
 
 
الحمد لله الذي أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقِسْط، والصلاة والسلام على المبعوث للناس رأفة ورحمة، وعلى آله وصحبه أفضل وأشرف الأمة، وعلى من تبعهم بإحسان فدعا إلى سبيل الله بالحكمة، ووعظ بالرفق مع الصبر والهمّة، وجادل بالحسنى وازدان في نطقه وفعله بالحياء الحشمة، صلاة وسلاما دائمين دوام هذه الأمّة.
وبعد: فهذه نكت الفرائد، ولطائف الفوائد، من كلام أحد أئمة الإسلام، وفرائد الأعلام، ألا وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

ذكر رحمه الله تعالى ما وقع بين الإمام ابن منده والإمام أبي نعيم -رحمة الله على الجميع- في ترجمة كلٍّ على حده، فكان مما قاله في ترجمة ابن منده:
[وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (تَاريخِ أَصْبَهَان): ابْنُ مَنْدَة حَافِظٌ مِنْ أَولاَدِ المحُدِّثِينَ اخْتَلَط فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَحَدَّث عَنِ ابْنِ أَسِيد، وَابْن أَخِي أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَابنِ الجَارُوْدِ بَعْدَ أَنْ سُمِعَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ عَنْهُم إِجَازَةً، وَتَخَبَّط فِي أَمَاليه، وَنسبَ إِلَى جَمَاعَةٍ أَقوَالاً فِي المُعتقدَاتِ لَمْ يُعرفُوا بِهَا - نَسْأَلُ اللهَ السترَ وَالصِّيَانَة).
قُلْتُ أي الذهبي-: لاَ نعبأُ بِقَولكَ فِي خَصمكَ للعدواةِ السَّائِرَة، كَمَا لاَ نَسْمَعُ أَيْضاً قَوْلَه فِيك، فَلَقَدْ رَأَيْتُ لاِبْنِ مَنْدَة حَطّاً مُقذِعاً عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ وَتَبْدِيْعاً، وَمَا لاَ أُحِبُّ ذِكرَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فَصدوقٌ فِي نَفْسِهِ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَقلِهِ بِحمدِ الله].

وقال كذلك: [وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ الحَافِظَ ذُكر لَهُ ابْنُ مَنْدَة، فَقَالَ: كَانَ جبلاً مِنَ الجِبَالِ، فَهَذَا يَقُوْلُه أَبُو نُعَيْمٍ مَعَ الوَحشةِ الشديدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ].
وقال كذلك أن بعضهم ذكر لابن منده [فِيْنَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يدخلُ عَلَى هَذَا المشؤومِ - أَعنِي أَبَا نُعَيْمٍ الأَشْعَرِيَّ -، فَقَالَ: أَخرجُوْهُم. فَأَخْرَجْنَا مِنَ المَجْلِسِ فُلاَناً وَفلاَناً، ثُمَّ قَالَ: عَلَى الدَّاخلِ عَلَيْهِم حَرَجٌ أَنْ يَدخُلَ مَجلِسَنَا، أَوْ يَسمعَ منَّا، أَوْ يَرْوِي عَنَّا، فَإِنْ فعلَ فلَيْسَ هُوَ منَّا فِي حِلّ.
قُلْتُ: رُبَّمَا آل الأَمْرُ بِالمَعْرُوف بصَاحِبه إِلَى الغضبِ وَالحِدَّة، فيقعُ فِي الهِجْرَان المُحَرَّمُ، وَرُبَّمَا أَفضَى إِلَى التَّفكيرِ وَالسَّعْي فِي الدَّمِ...][1].
وقال كذلك في ترجمة أبي نعيم [قَالَ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا العَلاَء مُحَمَّدَ بن عَبْدِ الجَبَّارِ الفُرْسَانِيَّ يَقُوْلُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي عَلِيٍّ الذَّكْوَانِيّ المُعَدَّل فِي صِغَرِي مَعَ أَبِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِملاَئِه قَالَ إِنسَانٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ أَبِي نُعَيْمٍ، فَلْيَقُم.
وَكَانَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَهْجُوراً بِسبب المَذْهَب، وَكَانَ بَيْنَ الأَشْعَرِيَّةِ وَالحنَابِلَة تَعَصُّبٌ زَائِدٌ يُؤَدِّي إِلَى فِتْنَة، وَقِيْلٍ وَقَالٍ، وَصُدَاعٍ طَوِيْلٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الحَدِيْث بسكَاكين الأَقْلاَم، وَكَادَ الرَّجُلُ يُقْتَل.
قُلْتُ: مَا هَؤُلاَءِ بِأَصْحَابِ الحَدِيْث، بَلْ فَجرَةٌ جَهَلَة، أَبعد اللهُ شَرَّهُم.].

ثم ذكر بعد ذلك بسند ابن عساكر أن السلطان ابن السبكتكين لما استولى على أصبهان جعل عليها واليا وذهب، فقتل أهُلها الوالي، فرجع إليهم ابن السبكتكين [وآمَنَهُم حَتَّى اطمأَنُّوا، ثُمَّ قصدهُم فِي يَوْم جُمُعَةٍ وَهُم فِي الجَامع، فَقَتَلَ مِنْهُم مَقْتَلَةً عَظِيْمَةً، وَكَانُوا قَبْل ذَلِكَ منعُوا الحَافِظَ أَبَا نُعَيْمٍ مِنَ الجُلُوس فِي الجَامع، فَسَلِمَ مِمَّا جَرَى عَلَيْهِم، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامِتِهِ]. "[2]
هكذا حكى الإمام الذهبي، وهذا -الذي نقلته- ما علّق به.

أقول: كلامه رحمه الله تعالى ضبط في النطق، وصراحة في الحق، وإنصاف للخلق، ومعرفة لأصول الخلاف ومدارجه، وتأصيل له بِعِلْمٍ سليمة منابعه، صافية مقاصده، قد بلغ قائله مداركه، فسَلِم -إذ حكم- من تبعاته وتوابعه، وهو مصدّق من أهل العلم في حكمه، إذ لم يورد ما يعيبه ولا ما يكدّره.

وإن رأيت بين ... وبين ...
قد تقول: (ما أشبه الليلة بالبارحة).
نعم، لكن الذي يظهر لي أن تقول: شتّان بين الليلة والبارحة.
فهو شبه ظاهر، وإن دقّقت وجدت الفرق الواضح الباهر.
فأين القائل من القائل؟
فالبارحة عدل وإنصاف، والليلة سرف وإجحاف.
والبارحة علم وتأصيل، والليلة لعن وتدجيل. (المراد باللعن هنا هو السبّ والشّتم، وهو يرد كذلك في اللغة).
والبارحة تقدير وتبجيل، والليلة تكدير وتهويل.
لكن أين من هو في كلّ مذهب ذهب ... أن يدرك الذَّهَب.
وأين من تلبّس بما ليس فيه واستخفّ الناس وماز ...
من مبلغ ابن قايماز.
لكن الأمر كما قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى:
[ رُبَّمَا آل الأَمْرُ بِالمَعْرُوف بصَاحِبه إِلَى الغضبِ وَالحِدَّة، فيقعُ فِي الهِجْرَان المُحَرَّمُ، وَرُبَّمَا أَفضَى إِلَى التَّفكيرِ وَالسَّعْي فِي الدَّمِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَافرَ الجَاهِ وَالحُرمَةِ إِلَى الغَايَة بِبَلَدِهِ، وَشَغَّب عَلَى أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ الحَافِظِ يعني أبا نعيم الأصبهاني -، بِحيث إِنَّ أَحْمَد اخْتَفَى][3].
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

كتبه بيده أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدة.
صبيحة الخميس 12 صفر 1439هـ الموافق 02 نوفمبر 2017.

[1] (السير ١٧/٣٢. و٣٣-٣٤ و٤٠ - ٤١).

[2] (السير ١٧/٤٥٩ - ٤٦٠).

[3] (السير 17/41)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله