الرد العلمي على كتاب "جذور البلاء" (اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل) / للشيخ محمد بن خدة -حفظه الله-

  • الإثنين, 12 كانون1/ديسمبر 2016 19:23
  • حجم الخط
  • No comment
بسم الله الرّحمن الرّحيم
 

اصمت ..! ففي الصمت منجاة من الزلل!


الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:
فإنّ مما قضاه الله تعالى وقدّره وجود الاختلاف بين النّاس، ولم يزل ذلك منذ القدم، ومثل هذا الاختلاف على أقسام وأنواع، فمن ذلك اختلاف النّاس في أصل الدّين، فطائفة تدين بدين النصرانيّة، وأخرى على اليهوديّة، وهكذا، ولسنا هنا بصدد الكلام على هذا النّوع من الاختلاف، فدين الإسلام هو الدّين الحقّ، وهو ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد ﷺ .

قال الله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود118-119]
قال الإمام أبو جعفر الطّبريّ رحمه الله تعالى [ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.
فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتّى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.
وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان
]. ثمّ أسند ذلك عن قتادة والحسن البصريّ ومجاهد وعطاء، وذكر القول الثّانيّ [وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غني]. ثمّ أسنده كذلك، ثمّ قال :[ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم
] [1].

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى [وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: وَلَا يَزَالُ الخُلْفُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَآرَائِهِمْ. قَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ فِي الْهُدَى. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ فِي الرِّزْقِ، يُسخّر بَعْضُهُمْ بَعْضًا، والمشهورُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ] [2].

وقد قضى الله تعالى وقدّر وقوع الاختلاف بين أمّة الإسلام، ، دلت على ذلك نصوص من الكتاب والسّنّة، كما قرّره العلماء في مواضع كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى في الآية السّابقة، فإنّه يفهم ذلك من المعنى العام للآية، وتدلّ له الأحاديث الصّحيحة كذلك، كحديث "لا تزال طائفة من أمّتي قائمة بأمر الله، لا يضرّهم من خذلهم أو خالفهم، حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس"[3]، ونصّ الحديث واضح في الإشارة إلى وجود هذا الاختلاف، حيث أن الحديث نصّ على أنّ الحقّ تكون عليه طائفة من النّاس، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى :[ وقد قال أحمد بن حنبل في هذه الطائفة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدرى من هم؟ وإنما أراد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. وقال البخارى: هم أهل العلم] [4].

والحاصل أنّ الاختلاف داخل الأمّة الإسلاميّة موجود لا محالة، والواقع يدلّ عليه، وهذا الاختلاف على أقسام، اختلاف في مسائل تتعلّق بالاعتقاد، واختلاف في مسائل أخرى هي من مسائل الفقه، ومن العلماء من يسمّي الأوّل الاختلاف في الأصول، والثّاني الاختلاف في الفروع، ولكلّ من الاختلافين أحكامه.

ومن الاختلاف ـ كما ذكرت ـ الاختلاف في مسائل الاعتقاد، أو مسائل الأصول، وقد كان لهذا النّوع من الاختلاف أثره في هذه الأمّة، والمتصفّح لتاريخها يلمس ذلك لمس اليد، لكن ـ لا شكّ ـ دائما للحقّ راية تحمله، كما جاء في الحديث الذي سقناه.

ومن الآثار التي ترتّبت على هذا النّوع من الاختلاف، ردّ أهل العلم بعضهم على بعض، ولهذه الرّدود أحوال وأحوال، تجد فيها من يسلك المنهج العلميّ في الرّدّ وبيان ما يراه هو خطأ في حقّ غيره، ومن لا يسلك مثل هذا المنهج، وفي كلا الحالين قد لا يقع التّجاوز في الرّدّ، وأحيانا قد يقع من الرّادّ والمردود عليه ـ أو من أحدهما ـ تجاوز في الرّدّ بصور مختلفة، لربّما تصل أحيانا حتّى إلى التّطاول على الطّرف الآخر بما لا يصحّ أن يكون من أخلاق المسلم، فكيف بأهل العلم.

وقد ظهر في الآونة الأخيرة كتاب (جذور البلاء) تناول فيه صاحبه، هذا النّوع من الرّدّ، وهو ما يتعلّق بمسائل الاعتقاد، أو الأصول، وقد ظهر من مؤلّفه تحاملا ظاهرا على مخالفيه، بل حتّى أنّه في بداية كتابه سبّق الحكم عليهم، بل ورماهم بعظيم من العظائم، حيث رماهم بالبلاء، والضّلال [5]، والظّلام، وعلى غلاف الكتاب يقول (المتمسلفة) أي: من ينتسب إلى السّلف، وانتسابه ليس صحيحا، فيفهم من كلامه أنّ هؤلاء انتسبوا إلى السّلف كذبا وزورا [6]، لكن في أوّل صفحة من مقدّمة  الكتاب يقول في هؤلاء (المتمسلمة)، وهذا أمر جدُّ عظيم وخطير، إذ هو لفظ يدلّ على أنّ هؤلاء ينتسبون ويدّعون الإسلام كذبا وزورا، فهل هذا منه رميّ بالتّكفير لهم [7]، وهو أمر لا يبعد، لأنّ ممّا صرّح به كثير  من أصحاب العقائد المخالفة لعقيدة أهل السّنّة والجماعة تكفيرهم لمن يخالفهم في الاعتقاد، ولذلك أمثلة كثيرة لا أريد أن أستعجل بذكرها الآن، ولكن منها تكفيرهم لمن يثبت صفة العلو لله تعالى، وتكفيرهم لمن لم يؤمن بالله تعالى على طريقة أهل الكلام، وتكفيرهم  لمن يأخذ بظواهر النّصوص، ومنها قولهم أنّ عبادة الأصنام فرع من مذهب المشبّهة ـ يعنون بذلك أهل السّنّة والجماعة ـ ، وصاحب الكتاب من خلال مقدّمته يرى هذا الرّأي فيما يبدو، وسيظهر لنا أكثر من خلال مناقشة ما كتبه.
أم أنّ المؤلّف لم يرد رميهم بالكفر، ولعلّه خطأ في الطّبع.

ربّما قد يكون، ولكن كيف يقع هذا الخطأ، وهو أن يكتب (متمسلمة) بدل (متمسلفة)، مع أنّ بين الحرفين(الفاء) و(الميم) بُعْداً في لوحة مفاتيح الكتابة على الجهاز، والمعتاد على الكتابة يعلم ذلك.
أقول: كلّ قارئ يرى عنوان الكتاب ثمّ يشرع في قراءته يجد هذا التّحامل من المؤلّف.

إنّ أوّل ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ـ الآيات الأربع الأول من سورة العلق ـ ، وإنّ في مثل هذا الاستفتاح بهذه الآيات معان جليلة عظيمة، ومن ذلك الحثّ على القراءة والعلم والتّعلّم والتّعليم، وممّا تدلّ عليه كذلك الإخلاص لله تعالى، وكذلك ملازمة ذكره سبحانه وتعالى في مثل هذا الأمر، وهو العلم والتّعلّم والتّعليم، ولذلك يذكر أهل العلم أنّ ممّا يستفتح به الكتب والكتابات والرّسائل ـ وغيرها من العلم ـ ذكر الله تعالى، ولذلك ما تجد كتابا من كتب أهل العلم إلّا وفيه البدء بالذّكر، إمّا بالبسملة أو الحمدلة أو خُطبة مختصرة تشتمل على ذكر الله تعالى وحمده والثّناء عليه والصّلاة والسّلام على رسوله ﷺ ، وكذا كتب أهل العلم التي تتضمّن نظم العلم في منظومات جامعة، تجدهم يبدأون بذكر الله تعالى.

كما نجد شرّاح هذه الكتب يقولون في بداية شرحهم للكتاب أنّ مؤلّفه ابتدأ فيه بذكر الله تعالى، أو بحمد الله تعالى، وهذا عملا بحديث النّبيّ ﷺ " كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم" وفي رواية "أقطع"[8] ، ولهذا الحديث ألفاظ كثيرة. ويستدلّون لذلك أيضا أنّ كتاب الله تعالى أوّل ما يستفتح به هو ذكره تعالى، وكذلك الرّسائل التي كان النّبيّ ﷺ يرسلها إلى غيره، وممّا يستدلّ به كذلك عموم النّصوص التي جاءت تدلّ على استحباب ذكر الله تعالى، مع ما دلّت عليه السّنّة الصّحيحة عنه ﷺ من استحباب استفتاح الكلام والكتابة بذكر الله تعالى.

والذي يلفت النظر ـ حقيقةً ـ هو غياب هذا الأمر من هذا الكتاب، وهذا ممّا يعجب منه حقّا. حيث لم يذكر مؤلّفه في بدايته شيئا من ذكر الله تعالى.

فأنّى لكتابه هذا البركة، على ما فيه من أمور [9] لا يجدر بمن يدّعي الانتساب إلى السّلف والسّنّة أن يدّعيها، أو يقول بها، أو ينافح عنها بمثل هذه المنافحة.

ولعلّ مثل هذا الأمر ممّا يكفي مؤلّفه، أو من اغترّ بكتابه هذا ـ وزعم أنّه أتى فيه بما يدكّ حصون مخالفيه ـ ، حيث صُرِفَ عن البدء بذكر الله تعالى، وإنّ صَرْفَهُ عن مثل هذا الأمر المبارك الجليل لَيُنْذِرُ الصّادق في سريرته أن يراجع نفسه، ورحم الله تعالى علماءنا الأبرار، وحفظ أحياءهم، فقد كان الواحد منهم يخشى أن يكون ما كتبه فيه شيء من حظّ النّفس، فتراهم يترك الواحد منهم ما كتبه، ويقول إن كان لله فسيظهر، يخشى من حظّ النّفس، وليس بعيدا عنّا ما قاله إمامُنا إمامُ دار الهجرة حول كتابه "الموطّأ" أوّلَ ما ألّفه، ونحو هذا ممّا جاء في تراجم أهل العلم، وهو كثير.

ومثل هذا الصّرف عن افتتاح المؤلّف كتابه بذكر الله تعالى فيه ما ينبّهه لمراجعة نفسه، وما كتبه، والله الهادي إلى سواء السّبيل.

ولو أنّ المؤلّف تمعّن ـ ولو قليلا ـ ما نقله، لظهر له ـ على الأقلّ ـ ما فيه من التّحامل والتّناقض، والرّمي بما ليس في مخالفيه، بل في نقول كثيرة منه تمويه وتلبيس وتدليس، أمّا إن زعم أنّه تمعّن وتفهّم، ونظر وتدبّر، فهذا أمر آخر ليس بالهيّن.

أوّل ما بدأ به المؤلّف كتابه هذا هو ذكره للطّائفة الحشويّة، وسيرا على المنهج العلمي الذي كان ينبغي اتّباعه، أن يذكر تعريفا لها، وقد عقد صاحب البلاء بابا عرّف فيه معنى الحشو والحشويّة، ولذلك نؤخّر مناقشته في ذلك إلى حينه، إن شاء الله تعالى.

وها هنا لفتة ألفت إليه نظر صاحب البلاء، ألا وهي أنّ أوّل من قال هذه اللّفظة ـ أي الحشويّة ـ هو عمرو بن عبيد المعتزليّ، وهذا ليس أمرا غريبا، إنّما الأغرب منه، أنّه رمى بها الصّحابيّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقد ذكر الإمام شهاب الدّين ابن العماد في كتابه "شذرات الذّهب في أخبار من ذهب" في حوادث اثنين وأربعين ومائة، أنّها توفّي فيها ـ أو التي بعدها ـ عمرو ابن عبيد، وذكر شيئا ممّا قيل فيه، ثمّ قال : [ ... وكانت له جرأة، فإنه قال عن ابن عمر: هو حشوي، فانظر هذه الجرأة والافتراء، عامله الله بعدله][10] ، نعم صدقت رحمك الله تعالى، عامله الله بعدله، وعامل كذلك صاحب البلاء بعدله، وهداه لرشده.
 
مقدمة الكتاب
ولنبدأ الكلام على مقدّمة الكتاب، وفيها وقفات:
 1ـ تقع المقدّمة في صفحة ونحو نصف الصّفحة، كتبها مؤلّفها سردا من غير فصل بين جملها بأيّ علامة من علامات التّرقيم  ـ إلّا بعض علامات التّعجب ـ ، وهو يذكر أنّه  قرأ كتب مخالفيه ومطويّاتهم وسمع أشرطتهم، ممّا ينبيك أنّه استغرق ذلك منه وقتا ليس باليسير، فكان يكفيه لترتيب ما كتب، وتحليّته بما يفكّ معانيه، ويسهّل فهم مراميه، وهذا معلوم عند أصحاب الأقلام، وبَدَهِيٌّ عند أولي الأفهام. وليس له أن يقول: القارئ اللّبيب يفهم من غير حاجة للتّرقيم، أو الكتاب موجّه لمن يَفْهَم، وقد يرميني بأنّي لا أفهم حتّى يُرَقَّمَ لي الكلام، وليس هذا هو شأن غيري، أو غير ذلك ممّا قد يقوله مثل هذا الكاتب، فهو قد يقول الكثير ، وهذا يُعلم من كتابه هذا أنّه يجرؤ على الرّمي لغيره بأشياء، لا أقول بما يمكن أو يرميه به، بل أقول قد يرمي غيره بكلّ ما يمكن أن يتكلّم  هو ـ أي الكاتب ـ به. (والمتكلّم الذي أنعم الله عليه بالقدرة على الكلام يستطيع أن يقول كلّ شيء، إذا لم يربط عنان لسانه بخوف الله تعالى، والحياء، والحشمة، والأدب).

ومن أنعم الله تعالى عليه بنعمة النطق والكلام والكتابة ـ إن لم يراقب الله تعالى ـ يمكن أن يقول ويتكلّم وينطق بكلّ شيء.

فالكتابة تحتاج إلى علامات للتّرقيم تيسّر الفهم، ولا يخفى على مثله ـ ما دام تصدّى لمثل هذا الرّدّ ـ أنّ للقرآن أحكاما تتعلّق بالوقف والابتداء، حتّى عدّ العلماء من أحكام القراءة الوقف والابتداء.

ولأهميّة الموضوع كتب فيه أهل العلم كتبا مستقلّة، بل وجمعوا ما أثر عن النّبيّ ﷺ من الوقوف، ويبلغ بها بعضهم إلى سبع عشرة موضعا.

إذًا للوقف والابتداء أهميّته، ولذلك قال الإمام ابن الجزريّ:
وبعد تجويدك للحروف ***  لا بدّ من معرفة الوقوف
والابتدا وهي تقسم إذًا ***  ثلاثة تامّ وكافٍ وحسن

ويذكر أنّ الوقف والابتداء قد يجب أو يحرم إن ترتّب على ذلك معنى لا يليق.

وإنّ ممّا يتّفق عليه أصحاب الكتابة لزوم مراعاة علامات التّرقيم، بل وينتقدون من يخلّ بذلك، والمساير للعلم وأهله وكتبه وكتاباتهم، يعلم منهم ذلك.

وكم من المعاني التي فهمت على غير وجهها بسبب تقديم أو تأخير علامة من علامات التّرقيم، ويكفي هنا الإشارة، فلست في حال إعداد درس في الإملاء والكتابة.

إذًا هذا معروف عند أهل العلم، فأين موقع صاحب الكتاب منها، وما أجد له ما يبرّر له هذا الإخلال.

فيا ترى هل هي العجلة في الكتابة للخروج على النّاس بهذا المولود الجديد ـ وقد صار الاطّلاع على الجديد ميزة العصر، كما يقال ـ في عالم الكتب، الذي يظهر منه جليّا العقوق لمن كان يلزمه أن يبِرّ بهم؟
وهذه العجلة أمرها وخيم جِدًّا، ليس على صاحبها فقط، بل عليه وعلينا وعلى الأمّة وعلى الدّين، إذ قد أُعْمِل القلم ـ وما أدراك ما القلم ـ ، أقول أُعْمِل القلم في أمور الدّين، وأثره باقٍ بقاءه، إلّا أن يصحّح ذلك.

فإن لم تكن العجلة، فهي الأخرى، عدم التّأهّل، وعدم العلم بالعلمِ وأصولِه، والكتابةِ وأصولِها، ولا يَغُرَّنَّ الواحِدَ حفظُه لفروع فقهية، فغاية ما يراه أهل العلم في حقّه أن ينقل فتوى المفتي، ومثله ليس من أهل العلم، وقد نقل الاتّفاق على ذلك الإمام ابنُ عبد البر[11] ـ رحمه الله تعالى ـ .

وعندها يحسن بي أن أنقل كلاما لعالم البيان وفارس هذا الميدان الإمام الهُمام والمفوّه في كلّ مقام محمد البشير الإبراهيميّ رحمه الله تعالى، حيث قال في نادي القلم ببغداد بأرض العراق ـ آمَنَها وأَمَّنَها الله تعالى من اعتداء الكافرين وحقد العِرْقِيِّين وانتهاكات الضّالّين المضلّين، اللّهمّ آمين ـ :
[ أيها الإخوان: حملةُ الأقلام فينا كثير، ولكن المصيب المسدّد منهم قليل، وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي يحتاج القلم إلى فكر مسدّد، وإن أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأول:
فهذي سيوف يا عدي بن مالك ***  كثير ولكن أين بالسيف ضارب
وإن كثيرًا ممن يحترف هذه الحرفة بيننا اليوم ممن يصدق عليهم قول الشاعر:
تبًّا لدهر قد أتى بعجاب ***  ومَحا فنونَ الفضل والآداب
وأتى بكُتَّاب لو انبسطت يدي ***  فيهم رددتهمُ إلى الكُتَّاب
وإن منهم لأدعياء يتقحمون عرينًا نامت آساده، فكأنّ القائل عَناهُم بقوله:
لقيط
[12] في الكتابة يدّعيها ***  كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابةَ لستَ منها ***  ولو لَطَّخْتَ ثوبك بالمداد
] [13].
2 ـ يقول أنّ العلماء حذّروا من هذه الطائفة، وألّفوا في التّحذير منها.

وقد سبق ذكر ما يتعلّق بهذه التّسميّة، فأين التّأليف في التّحذير منها، كما يزعم هذا الكاتب، إنّما هي ذكر لهذه التّسميّة في كتب عند مناقشة بعض مسائل الاعتقاد. فليته سمّى ولو كتابا واحدا ألّفه عالم معتمد معتبر عند أهل العلم، ولعلّ ممّا ينقض دعواه هذه ـ وهي عريضة، وقفاه أعرض منها كما يقال ـ ، أنّه ذكر بعد ـ في نفس مقدّمته ـ أنّه جمع مادة الكتاب من كتب الحشويّة ومطويّاتهم وأشرطتهم ومواقعهم.
فكيف بيّن العلماء وحذّروا وألّفوا، ثمّ لا يعتمد على شيء ممّا ألّفوه.

وقد يقول صاحب البلاء أنّه أشار إلى ذلك في المبحث الذي عقده لبيان الحشو والحشويّة، لكن مع ذلك ليس في ذلك الموضع ذكر لكتاب تناول الرّدّ كما يزعم هو، وهذا لا يمنع من وجود من يرمي غيره بهذا اللّقب تجاوزا في حقّه لأنّه خالفه في مسائل، أو مجازفة، أو جرأة، وهذا له وجود في الكتب، إذ كلّ  فرقة تطلق على من خالفها في جانب ما من الاعتقاد لفظ الحشويّة، فالمعتزلة تسمّي من خالفها في باب القدر حشويّا، والجهميّة تسمّي من خالفها في باب الصّفات حشويّا، والقرامطة يسمّون من أوجب الصّلاة والزّكاة والصّيام حشويّا، فهؤلاء الفرق يسمّون من خالفهم حشويّا، ولا نطيل الكلام ها هنا، فسيأتي في بابه.

3 ـ دعواه توبة ابن تيميّة ـ رحمه الله تعالى ـ سيأتي الكلام عليها في موضعها.
4 ـ ثمّ تشبّعه بما لم يعطه ـ والمتشبّع بما لم يُعْطَه جعله النّبيّ ﷺ كلابس ثوبي زور [14] ـ ، حيث زعم اكتشافا وفَتْحَ لغزٍ غريبٍ، وهو أنّ أوّل من حقّق كتب ابن تيميّة رجل بهائيّ في مصر وذلك بأمر من المحفل الماسوني. وهو يريد أن يصل من وراء هذا إلى أنّ كتب ابن تيميّة توافق المنهج والفكر الماسوني، ولذلك حرّضوا على طبعها وتحقيقها.
وها هنا وقفات أخرى:
أ / زعم أنّه هو الذي اكتشف هذا اللّغز، وهذا ليس بصحيح، وما سيأتي ذكره في هذه الوقفات يدلّ على ذلك، وإنّما نقلها عن غيره ممّن هو على شاكلته في المعتقد والمسلك، ممّن يكون بذل جهدا على نسقه في الرّدّ على مخالفيه [15]. والحقيقة أنّه ليس عيبا أن تنقل عن غيرك، فلم يزل الآخر ينقل عن الأوّل، ويأخذ اللّاحق عن السّابق، لكن مع البيان والعزو، فبركة العلم عزوه إلى أهله، وردّه لمصدره، ولا يلزم عند ذلك بالضّرورة أنّك تجهل ولا تعلم بذلك المنقول ولو في الجملة.

وهنا يحقّ لي أن أقف وقفة اعتباريّة وعظيّة لنفسي أوّلا ولغيري، ألا وهي أنّ الصّدق أمر لازم أكيد، وحيث اهتزّ هذا الجانب في البحث والمباحثة فلا تبقى المصداقية في الأقوال المنقولة.
إنّ من أعظم ما يعين على الوصول إلى الحقّ والخلاص من الخطأ هو قصد الصّدق [16]، وطلبه وتحرّيه حقًّا، كما في الحديث " عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا"[17].

ب/ يدل على أنّه ناقل عن غيره، دعواه أنّ فرج الله الكردي أكبر دعاة البهائية، فمن أين نقل هذا، علما أنّه لا توجد لهذا الرّجل ترجمة وافية، فلا تَرْجَمَهُ مَنْ كتب في أعلام الكرد، ولا من ترجم في أعلام مصر[18]، ولا من ترجم في أعلام حماه[19]. ولقد اجتهد بعضهم في جمع ترجمة له وافية فلم يحصّل الشيءَ الكثير، وإن كان ذكر نُتَفاً من حياته عموما.
فأين دعوى أنّ الكرديّ هذا (أكبر دعاة البهائية)، والقاعدة معروفة عند أهل العلم، [إن كنت مدّعيّا فالدّليل، وإن كنت ناقلا فالصّحّة].

وهذا لا يعني تبرئة الكردي من هذا الذي نسب له، وهو أنّه كان معتنقا لأفكار البهائيّة، كما ذكره الباحث الذي سبقت الإشارة إليه، وهو أ. د. عماد عبدالسلام رؤوف في رسالته (مطبعة كردستان العلمية تاريخها ومطبوعاتها)[20].

ج/ قوله (بأمر من المحفل الماسوني البهائي العالمي)، من أين لك هذا؟
لقد حقّق الباحث عماد عبد السّلام كيف كان بدء طباعة هذه الكتب.

وممّا قاله في ذلك: [ويمكن أن نعزو النقص في معلوماتنا عن هذه المطبعة أنها تأسست خارج كردستان، وإن حملت اسمها، فلم يترجم لمؤسسيها أحد من الكُرد، ولأنهما وفدا إلى مصر، ولم يكونا من أهلها، فقد سكت عن الترجمة لهما الكتاب المصريون، وزاد الأمر جهلاً، انتماء الرجلين، وإن كانا أزهريين، إلى نِحلة غريبة عن الوسط الإسلامي، خارجة عليه، فكان ذلك سبباً إضافياً في اسدال ستار من الصمت على سيرتهما، بل عن المطبعة نفسها.

سافر فرج الله ومحيي الدين صبري إلى القاهرة في حدود سنة 1286هـ/ 1870م والتحقا بالجامع الأزهر، فدرسا العلوم الدينية أسوة بغيرهما من طلبة العلم الكرد الذين كانوا يقصدون الجامع لهذا الغرض، وتعرفا على أحد وجهاء حي الجمالية في القاهرة، وهو أحمد بك بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الحسيني الشافعي (المتوفى سنة 1332هـ/1913م) والظاهر أنهما عرضا عليه فكرة تأسيس مطبعة لنشر الكتب الإسلامية، لأننا نجده يأذن لهما بإنشاء هذه المطبعة في قطعة أرض يملكها في زقاق يُعرَف بدرب المَسْمَط، أحد دروب حي الجمالية قرب مبنى أثري قديم يعرف ببيت القاضي، حيث كان ينزل قضاة مصر في العصر العثماني، وكانت بعض مطبوعات المطبعة تحمل عنوانها على النحو الآتي (مطبعة كردستان العلمية بدرب المَسْمَط بملك سعادة المفضال أحمد بك الحسيني بجمالية مصر القاهرة). وكان لأحمد بك مؤلفات في العقائد، فتولت المطبعة طبعها على التوالي، ومنها (البيان في أصل تكوين الإنسان) و(تحفة الرأي السديد الأحمد لضيا التقليد والمجتهد) وغير ذلك. ومما يلفت نظر الباحث أن فرج الله زكي سمى نفسه في كتاب طبعه بمطبعته سنة 1325هـ/1907م، بفرج الله زكي الحموي، وهو أمر غريب، إلا أن يكون قد عاش حيناً من الوقت في مدينة (حماه) فنسب إليها، ثم لم يلبث أن نسب نفسه إلى قومه، فعرف بالكردي][21].

وقال كذلك: [ومن غير الواضح مصدر الأموال التي أنفقها فرج الله زكي في شراء مكائن الطباعة، والورق، والأحبار، وتأسيس مقر لها، ومكتبة، فإن من المستبعد أن يملك طالب أزهري، يقيم بصفة مجانية في بعض أروقة الجامع، كل هذه الأموال، إلا أن يكون قد وجد له شركاء على شيء من المقدرة على تمويل مشروعه. ولعل الزمان سيكشف المزيد من المعلومات عن المطبعة، ومنها ما يجيب على هذا التساؤل][22].

هكذا يكون البحث، وهكذا تكون الموضوعيّة، وهكذا يكون الإنصاف، تجرّد للحقيقية والواقعيّة، من غير تَزَيُّد، ولا تخمين ضعيف لا يقوم على أصول علميّة.
فهل صاحب البلاء وجد من ذلك ما يُقْنِعُ بما ادّعاه في تلك الدّعوى العريضة؟ ـ وقفاه أعرض منها، كما يقال ـ، إن كان فليبيّن، وإلّا فما سبق نقله عن الإمام الإبراهيميّ ـ رحمه الله تعالى ـ واردٌ كذلك ها هنا.
د/ ذكر صاحب البلاء أنّ المحفل الماسوني هو الذي أمر بطبع كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة وتحقيقها وتوزيعها.

نقول ها هنا كذلك: من أين لك هذا؟
والحقيقة، إنّه ـ والله ـ لمن العجب أن يكون من يزعم النّصيحة للنّاس، ويدّعي أنّه يريد بيان منهج السّلف للنّاس، وتمييزه عن غيره من المناهج، أن ينحى مثل هذا المنحى في تحقيق المسائل، فيرمي أهل العلم بالجزاف من غير تروٍ ولا تثبّت ولا تبيّن.

هـ/ سأورد لصاحب البلاء ما قامت بطبعه هذا المطبعة من كتب، ثمّ لْيُجِب عن السّؤال الوارد عليه بعد ذلك.

طبعت هذه المطبعة ستة عشر كتاباً ومئة كتابٍ، في علوم مختلفة، وهي كتب العقائد والتّوحيد (ويسمّيه بعض أهل العلم بعلم الكلام) وهي أكبر نسبة من مطبوعاته، ثمّ تليها كتب المنطق والفلسفة، ثم تأتي كتب التفسير والأخلاق، وكتب التصوف، ثم الفقه، وكتب التاريخ، وكتاب يدل على اعتناق الكرديّ مبادئ البهائية.
 
وهذا سرد لقائمة هذه المطبوعات:
1 ـ الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول لمؤلّفه ناصر الدين البيضاوي.
2 ـ أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام. لمؤلّفه محمد بن بخيت ابن حسين المطيعي الحنفي الأزهري.
3 ـ الأحكام. لمؤلّفه محمد بن بخيت بن حسين المطيعي الحنفي الأزهري.
4 ـ الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية. لمؤلّفه علاء الدين أبي الحسن علي ابن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي.
5 ـ الأدب في الدين. لمؤلّفه أبي حامد محمد بن محمد الغزالي.
6 ـ الأربعين في أصول الدين لمؤلّفه أبي حامد محمد بن محمد الغزالي.
7 ـ إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة لمؤلّفه الشيخ محمد بخيت المطيعي.
8 ـ أساس التقديس في علم الكلام. لمؤلّفه الإمام فخر الدين الرازي.
9 ـ الأصول المنطقية. لمؤلّفه السيد الشريف علي الجرجاني.
10 ـ إعلام الباحث بقبح أم الخبائث. لمؤلّفه أحمد بن أحمد الحسيني الشافعي
11 ـ أعلام الموقعين لمؤلّفه ابن قيم الجوزية.
12 ـ أقرب طرق الوصول إلى قواعد علم الأصول. لمؤلّفه أحمد إبراهيم الجداوي من علماء الأزهر.
13 ـ أقسام العلوم العقلية. لمؤلّفه الرئيس أبي علي الحسين بن سينا.
14 ـ أيها الولد. لمؤلّفه أبي حامد محمد بن محمد الغزالي.
15 ـ بحر الكلام في علم التوحيد. لمؤلّفه ميمون بن محمد، أبي المعين النسفي.
16 ـ بشرى العالم بترك المحاربات واتفاق الأمم. لمؤلّفه فرج الله زكي الكردي.
17 ـ بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة أموال الأوراق لمؤلّفه أحمد بك بن أحمد الحسيني.
18 ـ البداية والنهاية في التاريخ. لمؤلّفه أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي.
19 ـ كتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية وهو المنعوت بالسبعينية لمؤلّفه أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي.
20 ـ بغية أهل الأثر. لمؤلّفه محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل.
21 ـ البيان في أصل تكوين الإنسان. لمؤلّفه أحمد بك بن أحمد بن يوسف الحسيني.
22 ـ تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة. لمؤلّفه عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
23 ـ تاج الرسائل ومنهاج الوسائل. لمؤلّفه محيي الدين ابن عربي
يتضمن الرسائل الآتية:
الرسالة الإلهية
الرسالة القدسية
الرسالة الاتحادية
الرسالة السريانية
الرسالة المشهدية
الرسالة الفردوسية
الرسالة العذرية
الرسالة الوجودية.24 ـ التجريد الشافي على تذهيب المنطق الكافي، وهي حاشية الدسوقي على تهذيب المنطق على شرح الخبيصي على تهذيب المنطق للتفتازاني التي جردها الشيخ الدردير. لمؤلّفه محمد بن أحمد بن عرفة المالكي الدسوقي.
25 ـ تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية. لمؤلّفه قطب الدين محمد بن محمد الرازي.
26 ـ التقديس في علم الكلام. لمؤلّفه فخر الدين الرازي، ومعه كتاب رفع الأعلام بشرح السلم وتوشيح عبد السلام.
27 ـ تقريرات  محمد بن زهوان.
28 ـ تحفة الرأي السديد الأحمد لضيا التقليد والمجتهد. لمؤلّفه أحمد بك بن أحمد الحسيني.
29 ـ تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدارسي والحلبي. لمؤلّفه أحمد بن إبراهيم ابن عيسى النجدي.
30 ـ تهذيب الأخلاق. لمؤلّفه محيي الدين ابن عربي.
31 ـ تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. لمؤلّفه أحمد بن محمد بن يعقوب، ابن مسكويه.
32 ـ توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية. لمؤلّفه محمد بن حسن بن عمر الشطي.
33 ـ جواهر القرآن. لمؤلّفه الإمام أبي حامد الغزالي.
34 ـ الجوهر النفيس. لمؤلّفه الرئيس أبي علي الحسين بن سينا.
35 ـ حاشية الخيالي على شرح السعد التفتازاني. لمؤلّفه أحمد بن موسى الخيالي.
36 ـ حاشية الدسوقي على تحرير القواعد المنطقية شرح القطب على الشمسية. لمؤلّفه محمد بن أحمد بن عرفة المعروف بالدسوقي.
37 ـ حاشية الدواني على حاشية السيد الشريف على شرح القطب على الشمسية. لمؤلّفه جلال الدين محمد بن أسعد الصديقي الدواني الشافعي
38 ـ حاشية السيالكوتي على حاشية الجرجاني على شرح القطب على الشمسية.
لمؤلّفه عبد الحكيم بن شمس الدين السيالكوتي الهندي.
39 ـ حاشية العليمي على التذهيب. لمؤلّفه ياسين العليمي.
40 ـ حاشية المولى شجاع الدين الرومي على حاشية الخيالي على شرح السعد على العقائد النسفية. لمؤلّفه شجاع الدين الرومي.
41 ـ حاشية الشيخ محمد الشريف على حاشية الخيالي. لمؤلّفه محمد الشريف
42 ـ حاشية العصام. لمؤلّفه عصام الدين إبراهيم بن محمد عربشاه الإسفرائيني.
43 ـ حاشية العصام على شرح التفتازاني على العقائد النسفية. لمؤلّفه عصام الدين إبراهيم بن محمد بن عربشاه الإسفرائيني السمرقندي.
44 ـ حاشية ولي الدين على حاشية عصام الدين على شرح السعد التفتازاني على العقائد النسفية. لمؤلّفه ولي الدين جار الله.
45 ـ حاشية الكفوي على حاشية عصام الدين على شرح السعد. لمؤلّفه السيد محمد ابن حميد الكفوي.
46 ـ حاشية قول أحمد على حاشية الخيالي على شرح السعد التفتازاني على العقائد النسفية. لمؤلّفه قول أحمد بن محمد بن خضر.
47 ـ حاشية ملا أحمد الجندي على شرح السعد على العقائد النسفية. لمؤلّفه ملا أحمد الجندي.
48 ـ الدرة الفاخرة في تحقيق مذهب الصوفية والمتكلمين والحكماء في وجود الله تعالى وصفاته ومظالم العالم. لمؤلّفه ملا عبد الرحمن الجامي.
49 ـ الدرر اللوامع على همع الهوامع شرح جمع الجوامع. لمؤلّفه أحمد بن الأمين الشنقيطي.
50 ـ ديوان السيد حسن القاياتي. لمؤلّفه حسن القاياتي.
51 ـ ذيل كتاب تجارب الأمم. لمؤلّفه أبي شجاع محمد بن الحسين.
52 ـ الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر. لمؤلّفه أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الشافعي.
53 ـ رسالة في الأصول. لمؤلّفها أحمد بك بن أحمد الحسيني
54 ـ الرسالة البعلبكية. لمؤلّفها أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني.
55 ـ رسالة الطير. لمؤلّفها أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
56 ـ رسالة في كنه لابد للمريد عنه. لمؤلّفه محيي الدين ابن عربي.
57 ـ رسالة أوائل كتب الحديث. لمؤلّفه محمد سعيد محمد سنبل.
58 ـ رسالة العهد. لمؤلّفه الرئيس أبو علي الحسين بن سينا.
59 ـ رسالة في الوحدة الوجودية. لمؤلّفه بهاء الدين محمد بن حسين العاملي.
60 ـ رسالة في زيارة القبور. لمؤلّفه محمد بن أبي بكر البركوي.
61 ـ رسالة في الفعل والانفعال. لمؤلّفه الرئيس أبو علي الحسين بن سينا.
62 ـ روح القدس في وصف النفس. لمؤلّفه أبو العزم محمد الحسن بن أحمد بن محمد السمان الحموي.
63 ـ زبدة الأفكار. لمؤلّفه عبد الحكيم الهندي السيالكوتي.
64 ـ سر القدر. لمؤلّفه الرئيس أبو علي الحسين بن سينا.
65 ـ الرسالة المدني. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
66 ـ سلوك المالك إلى تدبير الممالك. لمؤلّفه أحمد بن محمد بن أبي الربيع.
67 ـ شرح ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية. لمؤلّفه تقي الدين أحمد بن شهاب الدين ابن تيمية الحراني.
68 ـ شرح السعد على الشمسية. لمؤلّفه سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني.
69 ـ شرح خطبة الكافي في علم اللغة. لمؤلّفه طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري.
70 ـ شرح منظومتي الكواكبي.
71 ـ شرفنامه (بالفارسية). لمؤلّفه شرفخان البدليسي.
72 ـ علم الأخلاق. لمؤلّفه الرئيس أبي علي الحسين بن سينا.
73 ـ العقد الفريد لتبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد.
74 ـ عقيدة ابن تومرت. لمؤلّفه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت المنعوت بالمهدي الهرغي.
75 ـ عقيدة ابن قدامة المقدسي. لمؤلّفه الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله ابن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي.
76 ـ عقيدة أهل الأثر. لمؤلّفه منظومة للإمام محفوظ بن أحمد بن حسين أبي الخطاب الكلوذاني الحنبلي.
77 ـ عقيدة مختصرة . لمؤلّفه شهاب الدين عرون بن بهاء الدين المرجاني القازاني.
78 ـ العلم المنشور في إثبات الشهور. لمؤلّفه تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي.
79 ـ علوم الحقائق وحكم الدقائق. لمؤلّفه سعد الدين الحموي.
80 ـ غاية الأماني في الرد على النبهاني. لمؤلّفه محمود شكري بن عبد الله الآلوسي.
81 ـ الطرق العصامية في العقائد التوحيدية. لمؤلّفه محمد عصام. وهو أحد طلبة الأزهر.
82 ـ فائدة في عد الكبائر لمؤلّفه الشيخ موسى أبو النجا شرف الدين الحجاوي الحنبلي.
83 ـ فرائد اللآلي من رسائل الغزالي. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
84 ـ فوائح الرحموت بشرح مسلم الثبوت. لمؤلّفه عبد العلي محمد نظام الدين الأنصاري.
85 ـ قريب المجاز إلى مسائل المجاز. لمؤلّفه الشيخ طاهر بن صالح الجزائري.
86 ـ القواعد العشر. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
87 ـ القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي. لمؤلّفه صفي الدين الحنفي البخاري.
88 ـ القوى الإنسانية وادراكاتها. لمؤلّفه الرئيس أبو علي الحسين ابن سينا.
89 ـ الكافي في اللغة للجزائري. لمؤلّفه طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري ثم الدمشقي.
90 ـ كشف الأسرار.
91 ـ الكشف التام عن إرث ذوي الأرحام. لمؤلّفه حسين بن محمد المحلي الشافعي.
92 ـ كشف الستار عن حكم صلاة القابض على المستجمر بالأحجار. لمؤلّفه السيد أحمد الحسيني.
93 ـ الكواكب الدرية في مناقب الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية. لمؤلّفه مرعي ابن يوسف الكرمي الحنبلي.
94 ـ كيمياء السعادة. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
95 ـ المبدأ والمعاد. لمؤلّفه أبو علي الحسين بن سينا.
96 ـ مجموعة فتاوى شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية الحراني. لمؤلّفه التقي الدين ابن تيمية الحراني.
97 ـ المختصر. لمؤلّفه عثمان بن عمر ابن الحاجب النحوي.
98 ـ مختصر المنتهى. لمؤلّفه عثمان بن عمر ابن الحاجب.
99 ـ المسائل الخمسون في أصول الكلام. لمؤلّفه محمد بن عمر البكري، فخر الدين الرازي.
100 ـ المُستخلص. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
101 ـ مسلم الثبوت. لمؤلّفه محب الله بن عبد الشكور البهاري.
102 ـ معراج السالكين. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
103 ـ معيار العلم. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
104 ـ معيار في فن المنطق. لمؤلّفه محمد الغزي.
105 ـ مكاتيب عبد البهاء. لمؤلّفه عباس أفندي عبد البهاء.
106 ـ منهاج الوصول في علم الأصول. لمؤلّفه ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي.
107 ـ مناسك الحج. لمؤلّفه إبراهيم السقا الشافعي.
108 ـ المنطق الفهواني والمشهد الروحاني في المعاد الإنساني. لمؤلّفه محمد بن أحمد ابن سعيد بن مسعود، الشهير بعقيلة.
109 ـ مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول. لمؤلّفه شهاب الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو شامة الشافعي.
110 ـ مواهب البديع في حكمة التشريع. لمؤلّفه عبد القادر معروف الكردي السنندجي.
111 ـ ميزان إجراء الأقلام في مخاطبات الخاص والعام. لمؤلّفه كمال الدين العراقي.
112 ـ ميزان العمل. لمؤلّفه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي.
113 ـ النفحة القدسية في السيرة الأحمدية التجانية. لمؤلّفه محمد علوان بن السيد بن حسنين الدسوقي.

فهذه مجموعة مطبوعات هذه المطبعة خلال 1325 إلى 1343هـ/1907-1930م. فإذا لاحظت كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة أو المتعلّقة به فهي نحو ستة أو سبعة كتب، فإن فاته شيء ـ أي الجامع لهذه المطبوعات ـ فليس كثيرا.

كما أنّه طَبَعَ الكرديّ كتبا لبعض من هو على طريقة شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمة الله تعالى على الجميع.
لكن انظر عدد المطبوع لمن هو مخالف لشيخ الإسلام، ممّن هم على عقيدة الأشاعرة أو غيرها، ككتب أبي حامد الغزالي، والنّسفي والتّفتازاني وابن عربيّ وابن سينا والتّيجانيّ فهي نحو السّتين كتابا تقريبا.
وإنّ منها كتب الرّازي، ومعلوم مكانة الرّازي عند الأشاعرة، تحقيقا لمسائل الاعتقاد على منهجهم، وتنظيرا، ومناقشةً لأهل السّنّة والجماعة، خاصّة كتابه التّقديس.
ومن خلال هذا العرض فالأمر بات ظاهرا لكلّ منصف يريد الحقّ وبلوغه.

وعندها أقول: إذا كنت قد كشفت السّتر عن أخطر الألغاز الغريبة، وهي أنّ الذي أخرج كتب ابن تيميّة وحقّقها هو الكرديّ هذا، فها هو قد ظهر أنّ اعتناءه بكتب الأشاعرة، بل والصّوفيّة، وكذا الحلوليّة الاتّحاديّة، والتّيجانيّة،  وطبعه لها كان أكثر، والدّليل ما سبق، فهل يقلب عليك الاستدلال، فيقال لك في حقّ نحلتك التي تنتحلّها ما قلته أنت في حقّ غيرك.

أضف إلى ذلك كتاب السّيرة التيجانية، ومعروف أنّ التّيجاني من المتأخّرين، فهو في القرن الثّاني عشر (1150ـ 1230هـ)، إذًا طَبْعُ كتبِه ونشرُها أحقّ أن يقال فيها ما قاله صاحب البلاء عن كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة، فالذي يروّج لهذا الكتاب السّيرة التّيجانيّة وهو على طريقة الكرديّ هذا أولى أن يقال فيه ما قاله صاحب البلاء، وهذا ما تقتضيه قواعد فهم صاحب البلاء التي انتهت به إلى هذه النّتائج. لأنّ هذه كتب متأخّرة، بخلاف كتب شيخ الإسلام فأسبقيّتها معلومة.

علما أنّ كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة قد كان لأهل العلم بها اهتمام كبير من قبل.
ثمّ هذا الكرديّ يطبع كتاب أساس التّقديس للرّازيّ، وقد تولّى شيخ الإسلام الرّدّ عليه، ولم يطبع الكرديّ ردّ شيخ الإسلام عليه.
وطبع الكرديّ كتب ابن عربيّ، ولم يطبع ردود شيخ الإسلام عليه.

وها هنا لا بدّ من وقفة تمعّن، ولْنُقارن بين ما طُبِع لشيخ الإسلام ابن تيميّة، وما طُبِع لغيره من مخالفيه وبالأخصّ كتب كبار الأشاعرة، فإنْ كان ما يدّعيه صاحب البلاء صحيحا فأولى من تلصق به التّهمة هم الذين طَبَع لهم هذا الكرديّ أكثر.

وهذا ممّا يزيدني تأكيدا ودليلا على أنّ صاحب البلاء إنّما هو ناقل للبلاء عن غيره، من غير تروٍّ ولا تحرٍّ، وليس هذا هو شأن الباحث، هذا من جهة البحث، ولا هو من شأن الصّادق، هذا من جهة التّقوى والورع والصّدق، لكن "المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
و/ ثمّ هل كون الكافرِ يطبع كتابا ما للمسلمين يعني بالضّرورة ضلال ما في هذا الكتاب، وأنّه مخالف تمام المخالفة للإسلام، وأنّه على عقيدة غير الإسلام، وأنّه خدمة للصّهاينة؟ إلى آخر ما أراد أن يثبته صاحب البلاء.

فإن قال: لا، فقد نقض نفسه بنفسه.
وإن قال نعم، فلننظر ما هو عدد المطبوع من كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة، ونقارن بينه وبين الكتب المخالفة له، فنجد أنّ كتب شيخ الإسلام تعادل نحو الجزء من عشرة من كتب مخالفيه، وعندها، فالحكم على وفق قاعدة صاحب البلاء يعود عليه، فتكون الدّعوى التي ادّعاها تعود على العقيدة التي هو ينصرها. ويمكن أن نقول كذلك لعلّ الكرديّ أراد بطبعه لبعض كتب شيخ الإسلام ـ على قلّتها بالنّسبة لكتب مخالفيه ـ أن يبعد عن نفسه التّهمة، ثمّ يتسنّى له بعد ذلك أن يطبع من كتب المخالفين ما يحلو له، وقد فعل، كطبعه لكتب ابن سينا وابن عربيّ وغيرها.
وقد عرف من سمات البهائيّة التّقية، كما ذكر من كتب في الرّدّ عليهم.

ثمّ يقال له كذلك، ما هو حكم الكتب الإسلاميّة التي طبعتها كثير من مطابع الغرب، منها ما هو محلّ اتّفاق بين المسلمين، ككتب الحديث وفهارسه وغيرها، بل ومنها تحقيقات من المستشرقين لهذه الكتب، ولعلّ منها ما لم يظهر طبعه إلّا على أيدي أهل الاستشراق، ويكفيك المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبويّ، وغيرها.
ومنها كتب أخرى هي محلّ خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يؤيّد ما فيها، ومنهم من يخالف، في ذلك.

ولا يخفى أنّ لمثل هذه الوقائع ـ أي: كون مطبعة غربية تطبع الكتاب ـ عدّة احتمالات، فما ذكره صاحب البلاء ليس مرتكزّا على منهج علميّ رصين، وها هنا كذلك يصحّ إيراد كلام الإمام الإبراهيميّ رحمه الله تعالى في حقّه.

5 ـ قال (قرأت كتبهم واستمعت لأشرطتهم ودخلت مواقعهم ...).
إنّها دعوى عريضة جدّا، ولكن يظهر أنّ قفاه أعرض منها، لما سيأتي في الكتاب.

6 ـ قوله (فوجدت بعضهم لا يعلم أنّه على المنهج اليهوديّ في الاعتقاد وبعضهم يعلم ويتستّر)، هكذا حكم عظيم، ويتبادر لنا ها هنا سؤال، ما حكم من يعلم أنّه على المنهج اليهوديّ في الاعتقاد ثمّ هو يتستّر على ذلك، أليس صاحب البلاء يشير بهذا الكلام إلى التّكفير من غير ضوابط شرعيّة، أم أنّه لا ينتبه لما يقوله، أو هو لم يفقه أنّ هذا الكلام فيه ما فيه، ولذلك أوردت سابقا كلام الإمام البشير الإبراهيميّ رحمه الله تعالى.

7 ـ وأمّا ما بقي من مقدّمة صاحب البلاء إنّما هي دعاوى عريضة، ككونهم أسرى لشيوخهم، إشارة منه إلى أنّهم يقلّدونهم من غير تحرّ ولا تمييز.
ثمّ اتّهامهم وربط الجناية بهم فيما وقع ويقع في بلاد المسلمين ممّا هم من منهج الخوارج الضّالّين، وهو يعلم في نفسه أنّ السّلفيين يتبرّأون من ذلك كلّ التّبرّؤ، ولم يزالوا، ولا يزالون يحذّرون من هذا المنهج الفاسد الذي جاء نصوص الكتاب والسّنّة تحذّر منه، وتبيّن سمات أصحابه، وليت شعري من الذي تولّى بيان منهج هؤلاء على رؤوس المنابر أيّام الفتن والقتل والذّبح، حتّى أنّ من هؤلاء الأفاضل الذين تحمّلوا في سبيل الله تعالى كلّ ما يمكن أن يقع لهم، وبيّنوا وحذّروا، وقد قتل الخارجون منهم من قتلوا بسبب بيانهم لمنهج الخوارج والتّحذير منه، ومكّن الله تعالى لآخرين فلم يصلوا إليهم، أو خرجوا من بلدهم فرارا بدينهم.

فمن الذين بيّن وحذّر غير هؤلاء الذين تنعى عليهم وترميهم بما ليس فيهم، ولكن الحقّ والحقّ أقول: إنّ صاحب البلاء هذا قد تحمّل ثقلا ليس وزنه بالسّهل، فليعدّ عند لقائه لربّه جوابه، وعند الله تعالى تجتمع الخصوم.

أمّا إدخاله قضية جهيمان في وسط المباحثة، فما هي إلّا ورقة ـ خاسرة ـ يريد أن يُمِيلَ بها الكِفّة لصالحه، وليس هذا هو شأن المباحثة، وصنيع صاحب البلاء يومئ إلى أنّ مخالفيه على طريقة جهيمان، وهذه منه تهمة لغيره لا دليل له عليها، ولْيعدّ جوابها يوم الحساب، يوم يوضع الميزان القسط، فلا تظلم نفس شيئا، كما قال تعالى :﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء47.

ولعلّي أنتهي إلى هنا من الكلام على مقدّمة صاحب البلاء، وفيها ما يكفي للدّلالة على قيمة ما سيأتي، والله تعالى أسأل أن يهدينا جميعا سواء السّبيل، وأن يأخذ بنواصينا إلى الحقّ المبين، وأن يجمعنا على يد سواء، تحت ظلال الكتاب والسّنّة الصّحيحة المطهّرة، بفهم السّلف حقّا وحقيقة.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
 
*************************************************
[1]جامع البيان في تأويل آي القرآن" (15/535).
[2] "تفسير القرآن العظيم" (4/361).
[3] رواه البخاريّ (رقم 7311) ومسلم (رقم 1073)، واللّفظ لمسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
[4] "إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم" (6/349).
[5]الضّلال بالضّاد أخت الصّاد، لكنّها معجمة، ويفرّق بين الضّاد والظّاء بالمخرج والاستطالة، كما يقول علماء التّجويد، ولغة أكثر قبائل العرب التّفريق بينهما، وقيل بعض العرب لا يفرّقون بينهما، ويَرْوُون في ذلك قصّة وقعت لأعرابيّ مع عمر رضي الله عنه، والحاصل أنّ من كلمات العرب ما يقال بالضّاد، ومنها ما يقال بالظّاء، ومنها ما يقال بالضّاد وله معنى ويقال بالظّاء وله معنى آخر، وذكروا كلمتين تقالان بالضّاد وبالظّاء بمعنى واحد، انظر رسالة " كتاب في معرفة الضّاد والظّاء" للشيخ أبي الحسن علي بن أبي الفرج بن أحمد القيسيّ الصّقليّ رحمه الله تعالى.   
[6] وهذا يدلّ على إقراره بصحّة ـ أو على الأقلّ جواز ـ الانتساب إلى منهج السّلف على الحقّ والحقيقة، فاجعل هذا منك على ذكر.
[7] في حين يرمي هو غيره أنّهم يكفّرون.
[8] رواه أبو داود (4840) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والرواية الثانية عند ابن ماجه (1894)، وله طرق وروايات أخرى، وقد اختلف في تصحيح الحديث أو تحسينه وتضعيفه، وقد حسّنه ابن الصّلاح والنّووي، ورواه ابن حبان في صحيحه (1)، وأشار إلى ضعفه أبو داود حيث ذكر أنه جاء مرسلا ورجح إرساله الدارقطنيّ، وأشار المنذري كذلك إلى ضعفه، ومن خلال بحث طرقه يظهر أنّ قول الدّارقطنيّ أقوى، والعلم  عند الله تعالى.      
[9] لا تقل هذا تعميم يفتقر إلى دليل، إذ العلم يؤتى شيئا فشيئا، فلا يمكن الرّدّ على كلّ شيء دفعة واحدة، وإنّما الرّدّ يأتي شيئا فشيئا، فيتبيّن لك ما ذكرت لك، والله الموفّق لا ربّ سواه.
[10] (2/196).
[11] "جامع بيان العلم وفضله" (2/988).
[12] جاء هذا اللّفظ بروايات عديدة منها : (دعيّ) و(حمار) و(دخيل)، ولعلّي أختار لصاحب الكتاب الأخيرَ منها، أي لفظة (دخيل).
[13] "آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي" (4/206 ـ 207).
[14] هذا حديث رسول الله ﷺ " المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"، رواه البخاري (5219) ومسلم (2130) من حديث أسماء بنت أبي بكى الصّدّيق رضي الله عنهما. والمعنى العام منه هو المدّعي لما ليس فيه.  
[15] ومثل هذه الرّدود من أمثال هذه الطريقة ليس جديدا في عالم الكتب والمطبوع، وله أمثلة كثيرة، كردود الكوثري وغيره من قبل ومن بعد، وصاحب هذا البلاء أحدها.
[16] ولاحظ المناسبة بين الكلمتين (القصد) و(الصّدق)، وبينهما تلازم.
[17] رواه البخاري (6094) ومسلم (2607) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، واللّفظ لمسلم.
[18] لأنّه نزل مصر، وبها أنشا مطبعته.
[19] لأنّه نسب نفسه في مواضع بالحمويّ.
[20] (3).
[21] (2 ـ 3).
[22] (5).
[23] [الأنبياء/47].
 
 
 
 
 
 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جدول الدروس

التوقيت والمكان المكان بعد الفجر بعد الظهر بعد العصر بعد المغرب بين الآذان والإقامة بعد العشاء
السبت مسجد الهدى اختصار لتفسير القرآن العظيم لابن كثير **** **** تسميع القرآن الكريم قراءة من تفسير السعدي ****
الأحد مسجد الهدى اختصار لتفسير القرآن العظيم لابن كثير **** **** تسميع القرآن الكريم قراءة من تفسير السعدي ****
الإثنين مسجد الهدى اختصار لتفسير القرآن العظيم لابن كثير **** شرح سلم الوصول / والآجرومية تسميع القرآن الكريم قراءة من تفسير السعدي ****
الثلاثاء مسجد الهدى اختصار لتفسير القرآن العظيم لابن كثير **** شرح عمدة الأحكام / والآجرومية تسميع القرآن الكريم قراءة من تفسير السعدي ****
الأربعاء مسجد الهدى اختصار لتفسير القرآن العظيم لابن كثير شرح ألفية الحديث للسخاوي **** شرح رياض الصالحين **** ****
الخميس مسجد الهدى سلسلة دروس إلى صلاة الظهر
شرح : مراقي السعود / ألفية ابن مالك / الواسطية / ملحة الإعراب / مختصر التنقيح
**** **** تلقين القرآن الكريم / التعليق على : التبيان في آداب حملة القران / تفسير كلمات القران **** ****
الجمعة مسجد الهدى **** بعد صلاة الجمعة: التعليق على: التجريد الصريح **** شرح مختصر في السيرة النبوية ذكره النووي في مقدمة تهذيب الأسماء واللغات **** ****



جديد إصدارات الشيخ
أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدّة