المقالة التاسعة عشرة بعنوان (اتخاذ السترة للمسبوق).

  • الخميس, 27 تشرين1/أكتوير 2016 18:24
  • حجم الخط
  • No comment

بسم الله الرحمن الرحيم


المقالة التاسعة عشرة

فِي اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ لِلْمَسْبُوقِ.



الحمد لله الذي قسم الصلاة بينه وبين عبده نِصْفَيْن، فهي ثناء وسؤال وأنعم بهذين الشِّقَيْن، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للثَّقَلَيْن، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان صدقا بلا مَيْن، وبعد:


فإن من أعظم ما يلزم على المسلم لإخوانه المسلمين النصح في الدين، كما قال النبيّ ﷺ :" الدين النصيحة" قلنا لمن يا رسول الله قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [01]، وفي حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال : بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنّصح لكلّ مسلم"[02].


ومن هذا المنطلق رأيت أن أشير إلى أمر نصيحة لنفسي ولإخواني، وهذا الأمر مما يتعلّق بالصلاة، وبصورة أخصّ يتعلّق باتّخاذ السترة في الصلاة.
فاتّخاذ المصلي السترة في الصلاة مشروع بالاتّفاق، بل هو من السنة المستحبّة المندوبة عند الجميع، و ذهب طائفة من العلماء إلى وجوب اتّخاذ السترة في الصلاة، وهذا القول من حيث قوّة دليله أظهر وأرجح، واتّخاذ السترة هو في حقّ المنفرد وفي حقّ الإمام كذلك، أما المأموم فسترته هي سترة الإمام، بدليل حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنه قال: "أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنًى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصّف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد"[03]، أي لم ينكروا عليه مشيه بين الصف، لأن سترة الإمام هي سترة للمأموم.


وهذا مما يتفق عليه العلماء في الجملة[04] حال الائتمام، لكن بالنسبة للمسبوق، إذا سلّم الإمام، هل يبقى على القاعدة: سترة الإمام هي سترة المأموم؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، فمن قائل بأن سترة الإمام هي سترة له، وهذا ظاهر مذهب البخاري، حيث عنون في صحيحه في كتاب الأذان، باب سترة الإمام سترة لمن خلفه، وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا العموم يدل على أنه يرى بقاء السترة للمأموم ولو بعد تسليم الإمام من صلاته، وقالت طائفة أخرى من العلماء إنه يلزم المأموم أن يتخذ سترة فيتقدّم إليها.


وهذا ما أردت التنبيه إليه، وهو أن المأموم بعد سلام الإمام يتخذ لنفسه سترة، فيتقدّم إليها بخطوات قليلة فقط، لا تجاوز في الأكثر خطوتين أو ثلاث أو نحوها, ذلك لأن الصلاة كما قال ﷺ: " ... تحريمها التكبير ..."[05] ، أي بالتكبير يحرم على المصلي أشياء كثيرة في صلاته، ومن ذلك الحركة في الصلاة، وقد قال تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ البقرة238 ، وليست الحركة في الصلاة مما يعدّ من القنوت، الذي هو ها هنا بمعنى الخضوع والخشوع والاستكانة بين يدي الله تبارك وتعالى.



قال الإمام أبو بكر الجصّاص: [ وقوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ تَضَمَّنَ إيجَابَ الْقِيَامِ فِيهَا. وَلَمَّا كَانَ الْقُنُوتُ اسْمًا يَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ؛ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ طَاعَةً، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّلهَا غَيْرُهَا، لأَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ فَأَفَادَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ فِيهَا وَعَنْ الْمَشْيِ وَعَنْ الِاضْطِجَاعِ وَعَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكُلِّ فعل ليس بطاعة لما تضمنه اللفظ مِنْ الْأَمْرِ بِالدَّوَامِ عَلَى الطَّاعَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ الدَّوَامُ عَلَيْهَا، وَاقْتَضَى أَيْضًا الدَّوَامَ عَلَى الْخُشُوعِ وَالسُّكُونِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْطَوِي عَلَيْهِ وَيَقْتَضِيهِ، فَانْتَظَمَ هَذَا اللَّفْظُ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ جَمِيعَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَذْكَارِهَا وَمَفْرُوضِهَا وَمَسْنُونِهَا وَاقْتَضَى النَّهْيَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَيْسَ بِطَاعَةٍ فِيهَا وَاَللَّهُ الموفق والمعين ][06].


لكنّ الحركة القليلة في الصلاة ـ لمن احتاج لذلك ـ مشروعة ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي إذ جاءت شاة تسعى بين يديه؛ فساعاها [ إلى القبلة] حتّى ألزق بطنه بالقبلة ( في رواية: بالحائط)"[07] ، و كان ﷺ يقف قريبا من السترة، فكان بينه وبين الجدار قريبا من ثلاثة أذرع[08]، ولذلك فتقدّمه ها هنا يكون بنحو خطوتين أو ثلاث، وكذلك لمّا كان في صلاة التّطوّع، فجاءت عائشة والباب عليه مغلق، فاستفتحت، فمشى وفتح لها الباب، ثمّ رجع إلى مصلاه، وفي الحديث أن الباب كان في القبلة [09]، ومثل هذا ما نقل عن غير واحد من الصحابة والتابعين في ركوعهم دون الصف ودبّهم راكعين حتى دخلوا في الصف، أي وهم ركوع، وهذا يفهم منه في الغالب أن ركوعهم كان دون الصف، لكن قريب منه، بحيث يخطو خطوات فيدخل في الصف وهو راكع[10].


وليس قصدي في هذه الكلمة تحقيق الخلاف في مسألة: هل تبقى سترة الإمام سترة للمأموم بعد سلام الإمام من صلاته وقيام المسبوق للإتيان بما فاته أم لا؟ وإنما الذي أقصد هو ما صرنا نراه في مساجدنا من أفعال مخلّة بالصلاة بل ومخالفة لهيئات الصلاة. فبعد أن يسلّم الإمام من صلاته، ويقوم المسبوقون لإتمام ما فاتهم، تجد منهم حركة غريبة ـ وهم في صلاتهم ـ، وكأنهم يرون أن من الواجب بعد تسليم الإمام أن تكون من المأموم حركة، ولو يسيرة، إذ أحيانا يسلّم الإمام، وأمام أحدهم سترة، ومع ذلك تجده يتقدّم أو يتأخّر، أو غير ذلك من الحركات، والحال أن السّترة أمامه، وذلك يكفيه، وهو ليس مطالبا بأن يخمّن، هل سيقوم هذا المأموم مباشرة فيصير المسبوق يصلي إلى غير سترة، أو سيطول بقاؤه؟
ولذلك، فَلْيُعْلَم أن المتّفق عليه بين العلماء أن السّترة إنما تطلب في حقّ الإمام والمأموم ـ على الخلاف بينهم، هل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ كما سبق الإشارة إليه ـ، وأن سترة الإمام هي سترة للمأموم، أما إذا سلّم الإمام وقام المسبوق لإتمام ما فاته، فهنا يختلف العلماء، ومع ذلك فالذي يصحّ فعله من المسبوق أن ينظر، فإن كانت أمامه سترة كسارية، أو جالسٍ، أو غير ذلك ممّا يعدّ سترة له، فإنه يكتفي بذلك، أما إن لم يكن أمامه سترة، فله أن يطلب سترة، إن كانت أمامه نحو خطوتين أو ثلاث قدامه أو وراءه أو يمينا أو يسارا[11]، فإن كانت بعيدة فليس له أن يتقدّم أكثر من ذلك ـ وكذلك يقال في حقّ من كانت أمامه سترة ثمّ زالت ـ، لأنه مخالف لهيئات الصلاة، والذي ورد في السنة ـ فهما ـ أنه ﷺ إنما مشى نحو خطوتين أو ثلاث، وكذا في الآثار عن الصحابة الكرام عليهم الرضوان، مثل ما جاء في البخاري عن أبي بكرة أنه ركع دون الصف ودبّ راكعا حتى دخل الصّف، ونحوه جاء عن ابن مسعود وغيره رضي الله عنهم.


فهذا الذي نراه في كثير من المساجد مما يحب أن نبادر لبيان حكمه وتصحيح الفقه فيه عند عامة الناس.


هذا ما أردت أن أنبّه عليه، والله تعالى أعلم ، وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، والحمد لله ربّ العالمين.


وكتبه أبو عبد الرحمن محمد بن خدة
وكان آخره صبيحة يوم الخميس
18 المحرم 1438 هـ
الموافق 20 / 10 / 2016

**********
 
[01] رواه مسلم (55) من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.
[02] رواه البخاري (57) ومسلم (56).
[03] رواه البخاري (493) ومسلم (504).
[04] وقد نقل الخلاف في ذلك عن بعض أهل العلم، انظر "فتح الباري" (1/714 رقم الحديث 493).
[05] رواه أبو داود (61) من حديث علي رضي الله عنه بإسناد حسن، وجاء من طرق أخرى، انظر "نصب الراية" (1/384) و" الإرواء" (2/8 رقم 301) و"صفة الصلاة ـ الأصل ـ" (1/184).
[06] "أحكام القرآن" (1/613 ـ 614).
[07] رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (2/20 رقم 827) والطبراني (11/338)، الزيادة للحاكم، والرواية للطبراني، انظر "صفة الصلاة للشيخ الألباني (85).
[08] رواه البخاري (506).
[09] رواه أبو داود (باب العلم في الصلاة، رقم 922) والترمذي (باب ما يجوز من المشي، والعمل في صلاة التّطوّع ، رقم 601).
[10] كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه في البخاري (رقم 783).
[11] وقد جاء في رواية لحديث عائشة رضي الله عنها لما فتح النبي ﷺ لها الباب، وفيه: " ... فمشى عن يمينه أو عن يساره ..."، انظر " إرواء الغليل" (2/108 رقم 386).

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله