طباعة

المقالة السابعة عشرة بعنوان (التّذكير بالإخاء والدّعوة للوفاء) للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

  • الأربعاء, 16 آذار/مارس 2016 15:48
  • حجم الخط
  • No comment
 بسم الله الرحمن الرحيم
 

التّذكير بالإخاء والدّعوة للوفاء


الحمد لله ذي الجلال، حمدا له في كل آن وحال، له الحمد على ما أعطى من نوال، حمدا على التمام والكمال، ثم الصلاة والسلام المتوالي، على أفضل الرسل كامل الخصال، وعظيم الإفضال، نبينا محمد المصطفى المفضال، وعلى آله العوالي والصحب اللآلي، ما تعاقبت الأيام والليالي، وبعدُ:

فهذه بداية مقالي، رتبت فيه كلمات وحروفا على التوالي، أقصد بها النصيحة لك أيها الحبيب الغالي، فكن منصتا لها متبعا لما فيها من الأمالي، وكريم الخصال.

الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره،(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)آل عمران58، (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)آل عمران19، (أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)الحج34، وأصل الإسلام الاستسلام لله تعالى والخضوع والانقياد له تعالى، بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، ومآل هذا ـ إذا فعله الناس ـ أن يجتمع الناس ولا يتفرّقوا، وأن يتآلفوا ولا يتخالفوا، وفي هذه السّورة التي ذكر الله تعالى فيها هاتين الآيتين جاء ذكر التآلف وعدم التخالف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)آل عمران103، فالاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالإسلام، وفيه دعوة إلى الاجتماع وعدم الافتراق، وجاء في الآية الأمر بالاجتماع من خمسة وجوه:
1 ـ الأمر بالاعتصام، والأمر يفيد الوجوب، فهذا دليل على وجوب الاجتماع.
2 ـ لفظة الاعتصام تدلّ على الاجتماع، وزيادة، لأن فيه معنى الشّدّ في ذلك.
3 ـ قوله (بحبل الله)، فأفرد الحبل وأضافه إلى نفسه تعالى فهو حبل واحد، وإذا اعتصم الناس به فلا شكّ أنهم سيجتمعون، لأنهم سيلتفّون به ويجتمعون عليه.
4 ـ قوله (جميعا) أي حال كونكم مجتمعين، وهذا توكيد لهذا المعنى كذلك.
5 ـ قوله (ولا تفرّقوا)، وهذا نهي عن ضد الاجتماع، وذلك يقتضي ويستلزم الأمر بضده، كما يقول الأصوليّون.

وبعد هذا يبيّن لنا تعالى قيمة هذا الاجتماع، وأنه نعمة منه تعالى على عباده، فقال تعالى ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، هذا الاجتماع سمّاه تعالى نعمة، وواجب النعمة ـ أخي المسلم ـ أن ترعاها وتحفظها وتشكرها، وليس من شكرها ـ أبدا ـ أن تكون ممن يسعى إلى دفعها ومعارضتها، أو تأسف لوجودها، وقد لا يُقَدِّرُ بعض الناس قيمة هذه النعمة، وهي التّأليف بين القلوب حتّى تجتمع وتتآلف، فتجتمع وتتآخى.

وها أنا ذا أبيّن لك قيمتها بما جاء في كتاب الله تعالى، قال سبحانه: ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال62-63، قال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى : [ وتأليف القلوب جعل بعضها يألف ويميل إليه ويحبه وهو من أفعالها الاختيارية وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره ][1].

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: [...(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة (مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة كما قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) ][2].

فهو وحده تبارك وتعالى الذي ألّف بين القلوب لا أحد غيره، بل يقول سبحانه وتعالى أنه لو أنفقت ما في الأرض جميعا فإنك لا تستطيع أن تؤلِّف بين القلوب، إذ هذا لله تعالى وحده، دلّ هذا على أن أمر القلوب ليس بالسهل، والجمع بينها ليس بالهيِّن، بل لا بد له من جهود، وسعي حثيث، والتّوفيق من الله تعالى وبالله تعالى، فلا تستسهلنّ الأمر أخي الكريم، فإنّ الأمر عظيم، وما أعظم فقه ذلك الهمام الإمام مجاهد بن جبر، فقد روى ابن جرير الطبري بسنده من طريق عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد أنه لقيه وأخذ بيده، فقال: إذا تراءى المتحابّان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتّت خطاياهما كما يتحاتّ ورق الشجر. قال عبدة: إنّ هذا ليسير. قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم)، قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني[3].

هذا قدر التّآلف، هذه قيمة الترابط، هذا ميزان الاجتماع، هذا منتهى الإخاء بين الأصفياء، فهل من وفاء؟ نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمع كلمة المسلمين على التقوى، ويوحّد صفوفهم على العروة الوثقى.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والمنافقين، وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك يا ربّ العالمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم إن أعداء الإسلام قد تآمروا على الإسلام والمسلمين وتمالؤوا عليهم، اللهم فكن لعبادك المؤمنين، اللهم انصرهم يا عزيز يا جبّار، يا قويّ يا متين، من لعبادك المستضعفين؟ من لعبادك المساكين؟ من لعبادك الفقراء والأرامل والأيتام؟ من لعبادك المشرّدين عن ديارهم؟ من لعبادك المطرودين من بيوتهم؟ من لعبادك الذين يدينون لك التوحيد الخالص؟ اللهم ليس لهم سواك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم ووفِّق ولاة أمور المسلمين لإقامة دينك، ولإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فتكون العاقبة لهم، بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لهم في الدين، وإبدالهم خوفَهم أمنا، آمين، آمين، آمين، يا ربّ العالمين.

وصلى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد وعّلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين.

وكتبه أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدة
 يوم الثلاثاء الخامس من شهر جمادى الثانية 1437 هـ
الموافق 15/03/2016.
*************************************************
     [1]" شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" (1/57).
[2]" تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" 325.
[3]رواه ابن جرير الطبري في تفسيره " جامع البيان " (14/46 ـ 47 برقم 16260) حدثنا عبد الكريم بن أبي عمر قال حدثني الوليد عن أبي عمرو قال حدثني عبدة بن أبي لبابة به، وهذا السند فيه عبد الكريم هذا وفيه جهالة، والوليد هو ابن مسلم ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية كما قال الحافظ ابن حجر، لكن للأثر طريق آخر، قال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أيوب بن سويد عن الأوزاعي قال حدثني عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد، ثم ذكر نحو حديث عبد الكريم عن الوليد " جامع البيان" (14/48 برقم 16263). وهذا السند رجاله ثقات، إلا ما كان من أيوب بن سويد، ففيه كلام، لكن هو  صالح في المتابعات، كما جاء الأثر من طريق آخر عند ابن جرير (14/46 برقم 16259) حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إبراهيم الخوزي عن الوليد بن أبي مغيث عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفِر لهما. قال: قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟ فقال مجاهد: أما سمعته يقول: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم)؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني.  وفي سنده إبراهيم الخوزي، وهو إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال الحافظ: متروك الحديث، "التقريب" (118 رقم 274). وأما ابن يمان فهو يحيى بن يمان العجلي، صدوق عابد يخطئ كثيرا، كما قال الحافظ ابن حجر "التقريب" (1070 رقم 7729).    
أما أصل الحديث المرفوع، فجاء بلفظ " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافخان إلا غفر لهما قبل أن يتفرّقا "، وبلفظ " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلّم عليه، وأخذ بيده فصافحه؛ تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشّجر " انظر تخريجها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة " (2/ 56 ـ 61برقم 525 و526)، و(6/431 بقم 2692).