المقال السادس عشر بعنوان (أصل بديع ومنيع لردّ أمر البدع الشّنيع) 04- ربيع الأول- 1437هـ

  • الأحد, 20 كانون1/ديسمبر 2015 11:18
  • حجم الخط
  • No comment
المقالة السادسة عشرة

أصل بديع ومنيع لردّ أمر البدع الشّنيع


بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لمن رفع السماوات بغير عمد ترونها، وضرب للإيمان ـ الكلمة الطيبة ـ مثلا بشجرة طيبة ثابتة أصولها، قد أينعت في السماء فروعها، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمّد هادي الأمّة وللخير معلِّمها، وعن البدع محذِّرها، وعلى الصّحابة دعاة الشّريعة وحماتها، وعلى كلِّ من تبعهم بإحسان وتمسّك بهذه السّنّة وعظّمها، وبعد:
فإن شأن البدع مذموم شرعا، ومستقبح دينا، وفي الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك، قال تعالى: ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله ﴾، وفي الحديث قوله ﷺ : " وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة"[1] وقوله ﷺ " ألا وإياكم ومحدثات الأمور  فإن شرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة "[2]، ومن وصايا سلفنا الصّالح ( اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، كلّ بدعة ضلالة)[3] ، ومن تمام الدعوة لهذا الدّين والذّب عنه والذّود عن حياضه اهتمامُ العلماء بذكر قواعد لردّ البدع والتحذير منها، ومن هذه القواعد والأصول قاعدة فيما تركه النبي ﷺ.

اعلم رحمك الله أن السنة كما تكون بالفعل، تكون بالترك كذلك، ذلك أن الله تعالى قد كلّفنا باتباع فعل النّبيﷺ الذي يتقرب به وليس هو من خصوصيّاته، والترك فعل في صحيح المذهب، ولذلك أدلّة كثيرة، منها قوله تعالى ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ فسمّى تركهم النهي عن المنكر فعلا، وقال تعالى ﴿وقال الرسول ياربّ إن قومي اتّخذوا هذا القران مهجورا﴾ والهجر ترك، وسمّي اتّخاذا، وهو فعل، وفي الحديث الصحيح "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"[4]، ولا شكّ أنّ الإسلام أعمال ظاهرة، فجعل ترك المرء ما لا يعنيه من حسن إسلامه، فدلّ على أنّ الترك فعل، ولذلك فكما أنّ الفعل سنّة فكذلك الترك سنّة، وهذا ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما سأله عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، فقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلاَلُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ[5]. فاتّبع ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ سنة النبي ﷺ فما  فعله ﷺ فعله، وما تركه ﷺ تركه.

 وقولنا الترك سنة، المراد ما تركه النبي ﷺ ولم يكن هناك مانع قائم يمنعه منه، مع توفّر الدواعي التي تدفع لفعله، ومع ذلك تركه عليه الصلاة والسلام،  مثل تركه ﷺ الأذان للعيدين، وغير ذلك، فما كان المقتضي لفعله قائما، والمانع منه غير قائم، ومع ذلك تركه النبي ﷺ، وواظب على تركه، فلا شكّ أن السنة هو تركه، وأن فعله غير مشروع، ولا هو من السنة، فإن احتّج علينا أحد بفعل الخلفاء ـ ونحن نرى أن فعلهم من السنة  كما في الحديث ـ مما لم يكن موجودا قبل، فالجواب أن فعلهم ذلك لا يخرج عن أن يكون المقتضي لفعله لم يكن على عهد رسول الله ﷺ، أو أنه كان هناك مانع قائم منع من فعله، كجمع المصحف، وصلاة التراويح في جماعة.

وهذه القاعدة جامعة نافعة، وهي أصل عظيم للرّدّ على محسّني البدع، ومن يستدلّ بالعمومات على تحسين بعض البدع التي يقع فيها، وقد قرّر هذا الأصل أئمة من المذاهب الأربعة، وهذه بعض النقول عن أئمة منهم.

أولا ـ الأحناف: قال العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى:  
[ قال صاحب "مجالس الأبرار"[6] ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليها، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم عدم التنبه أو التكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة.

وكذلك يقال لك من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة، إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونه بدعة حسنة لما وجد في العبادات ما هو بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الرغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفي الأذان، وقراءة القرآن في الركوع مثلاً والجهر بالذكر أمام الجنازة من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية؛ فهو إما غير بدعة فيبقى عموم العام في حديث: "كل بدعة ضلالة". وحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" على حاله، أو يكون مخصوصاً من هذا العام، والعام المخصوص دليل فيما عَدَا ما خُصّ منه، فمن ادّعى الخصوص فيما أحدث أيضاً احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد، ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئاً يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.

والحاصل أن كل ما أحدث ينظر في سببه؛ فإن كان لداعي الحاجة بعد أن لم يكن- كنظم الدلائل لرد الشبه التي لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي صلى الله عليه وسلم كجمع القرآن؛ فإن المانع منه كون الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال- كان حسناً، وإلا فإحداثه بصرف العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى، مثلاً الأذان في الجمعة سنة، وقبل صلاة العيد بدعة، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم قوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}. فيقول قائل: هذا زيادة عمل صالح لا يضر. لأنه يقال له هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلي الفجر أربعاً والظهر ستاً. ويقال هذا عمل صالح زيادته لا تضر، لكن أهل السنة يتبعون النبيﷺ وأصحابه في الفعل والترك، فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين، فهذا هو من غير زيادة أو نقص، فالزيادة عليه كالنقصان، فنعبده بما شرع، ولا نعبده بالبدع، فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذاً كاسدة خاسرة، والعقول لا تهتدي إلى الأسرار الإلهية، فيما شرعه من الأحكام الدينية، أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائماً، ونهيت عنها في الأوقات الخمسة، وذلك ينتهي إلى قدر ثلث النهار، فينبغي لك أن تكون حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم، ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف، فإن وافق أصولهم قبله المتبع بقلبه، وإلا فلينبذه وراء ظهره وليتبصر في جلية أمره، ولا تغرنك عوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال، وقد كان هشام بن عروة يقول: لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جواباً، لكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها، وأخرج أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه، قال: "كل عبادة لم تفعلها الصحابة فلا تفعلوها"، وأخرج البيهقي أن ابن عباس قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع"][7].

وقال الشيخ بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية: [ ... وأما رفع صوت المشيعيين للجنازة بنحو قرآن، أو ذكر، أو قصيدة بردة، أو يمانية فهو مكروه، لا سيما على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان، ولم يكن شيء منه موجودا في زمن النبيﷺ، ولا في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح، بل هو مما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي لفعله، فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذموما شرعا، كما هو الحكم في كل ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي لفعله][8].

ثانيا ـ المالكية: قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
[ ... وذلك أن سُكُوتَ الشَّارِعِ عَنِ الْحُكْمِ في مسأَلة مّا، أَو تَرْكِهِ لأَمر مَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحدهما: أَن يَسْكُتَ عَنْهُ أَو يَتْرُكَهُ لأَنه لَا دَاعِيَةَ لَهُ تَقْتَضِيهِ، وَلَا مُوجِبَ يُقَرَّرُ لأَجله، وَلَا وَقَعَ سببُ تقريرِه؛ كَالنَّوَازِلِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإِنها لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهَا مَعَ وُجُودِهَا، وإِنما حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاحْتَاجَ أَهل الشَّرِيعَةِ إِلى النَّظَرِ فِيهَا وإِجرائها عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي الكُلِّيَّات الَّتِي كَمُلَ بِهَا الدِّينُ، وإِلى هَذَا الضَّرْبِ يَرْجِعُ جَمِيعُ مَا نَظَرَ فيه السلف الصالح مما لم يُبَيِّنْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الْخُصُوصِ مِمَّا هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؛ كَتَضْمِينِ الصُّنَّاع، ومسأَلة الْحَرَامِ ، والجَدّ مَعَ الإِخوة، وعَوْل الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ: جَمْعُ الْمُصْحَفِ، ثُمَّ تَدْوِينُ الشَّرَائِعِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْتَجْ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلى تَقْرِيرِهِ؛ لِتَقْدِيمِ كُلِّيَّاته الَّتِي تستنبط مِنْهَا، إِذا لَمْ تَقَعْ أَسباب الْحُكْمِ فِيهَا، ولا الفتوى بها منه عليه الصلاة والسلام، فَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ.
فَهَذَا الضَّرْب إِذا حَدُثَتْ أَسبابه فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فيه وإِجرائه على
أُصوله إِن كَانَ مِنَ العادِيَّات، أَو مِنَ العباديات الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مَا سُمِعَ، كَمَسَائِلِ السَّهْو والنِّسيان فِي أَجْزَاء الْعِبَادَاتِ. وَلَا إِشكال فِي هَذَا الضَّرْبِ؛ لأَن أُصول الشَّرْعِ عَتِيدة، وأَسباب تِلْكَ الأَحكام لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا عَلَى الْخُصُوصِ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّرْكِ أَو غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ إِذا عُرِضَتِ النَّوَازِل رُوجِعَ بِهَا أُصولها فَوُجِدَتْ فِيهَا، وَلَا يَجِدُهَا مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، وإِنما يَجِدُهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْصُوفُونَ فِي عِلْمِ أُصول الْفِقْهِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَن يَسْكُتَ الشَّارِعُ عَنِ الْحُكْمِ الْخَاصِّ، أَو يَتْرُكَ أَمراً مَا مِنَ الأُمور، ومُوجِبُهُ الْمُقْتَضِي لَهُ قَائِمٌ، وَسَبَبُهُ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ، إِلا أَنه لَمْ يُحدَّدْ فِيهِ أَمرٌ زَائِدٌ على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أَن القصد الشرعي فيه أَن لا يزاد فيه عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ الْعَامِّ فِي أَمثاله، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ لأَنه لَمَّا كَانَ المعنى المُوجِبُ لشرعيَّة الحكم العملي الْخَاصِّ مَوْجُودًا، ثُمَّ لَمْ يُشْرَعْ، وَلَا نُبِّهَ على استنباطه؛ كَانَ صَرِيحًا فِي أَن الزَّائِدَ عَلَى مَا ثَبَتَ هُنَالِكَ بِدْعَةٌ زَائِدَةٌ، وَمُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ إِذ فُهِمَ مِنْ قَصْدِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حُدَّ هُنَالِكَ، لَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ.

وَلِذَلِكَ مِثَالٌ فِيمَا نُقل عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنس فِي سَمَاعِ أَشهب وَابْنِ نَافِعٍ هُوَ غايةٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَن مَذْهَبَهُ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ الْكَرَاهِيَةُ[10]، وأَنه لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَعَلَيْهِ بَنَى كَلَامَهُ.

قَالَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ": " وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يأْتيه الأَمر يُحِبُّهُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شُكْرًا؟ فَقَالَ: لَا يفعل! ليس هَذَا مِمَّا مَضَى مِنْ أَمر النَّاسِ. قِيلَ لَهُ: إِن أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ فِيمَا يَذْكُرُونَ ـ سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا لِلَّهِ، أَفسمعت ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ ذَلِكَ، وأَنا أَرى أَن قَدْ كَذَبُوا عَلَى أَبي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ أَن يَسْمَعَ المرءُ الشيءَ فَيَقُولُ: هَذَا شيء لم أَسمع له خلافاً. فقيل له: إِنما نسأَلك لنعلم رأْيك، فنرد ذلك به. فقال: نأْتيك بشيء آخر ـ أَيضاً ـ لم تسمعه مني: قد فُتِحَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ، أَفسمعت أَن أَحداً مِنْهُمْ فعل مثل هذا؟ إِذا جاءك مثل هذا مما قَدْ كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيديهم لا يسمع عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ، فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ، فإِنه لَوْ كان لذُكر؛ لأَنه من أَمر النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ، فَهَلْ سَمِعْتَ أَن أَحداً منهم سجد؟ فهذا إِجماع، إِذا جاءَك أَمر لا تعرفه فدعه... "هذا تَمَامَ الرِّوَايَةِ.  

وَقَدِ احْتَوَتْ عَلَى فَرْضِ سُؤَالٍ والجواب عنه بِمَا تَقَدَّمَ.
وَتَقْرِيرُ السُّؤَالِ أَن يُقَالَ فِي الْبِدْعَةِ ـ مَثَلًا ـ: إِنها فعلٌ سَكَتَ الشارعُ عَنْ حُكمه فِي الفِعل والتَّرك، فَلَمْ يَحْكم عَلَيْهِ بِحُكْمٍ عَلَى الْخُصُوصِ، فالأَصل جَوَازُ فِعْلِهِ، كَمَا أَن الأَصل جواز تركه، إِذ هو في مَعْنَى الْجَائِزِ، فإِن كَانَ لَهُ أَصل جُمْلي فأَحْرَى أَن يَجُوزَ فِعْلُهُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ أَو كَرَاهَتِهِ، وإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ هُنَا مُخَالَفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَلَا ثَمَّ دَلِيلٌ خَالَفَهُ هَذَا النَّظَرُ، بَلْ حَقِيقَةُ مَا نَحْنُ فِيهِ أَنه أَمر مَسْكُوتٌ عَنْهُ عِنْدَ الشارع، والسكوت من الشَّارِعِ لَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةً وَلَا مُوَافَقَةً، وَلَا يُعَيِّن الشَّارِعُ قَصْدًا مَا دُونَ ضِدِّهِ وَخِلَافِهِ، وإِذا ثَبَتَ هَذَا فَالْعَمَلُ بِهِ لَيْسَ بمخالفٍ؛ إِذ لَمْ يَثْبُتُ فِي الشَّرِيعَةِ نَهْيٌ عَنْهُ.

وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَن السُّكُوتَ عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ أَو التَّرْك هُنَا ـ إِذا وُجِدَ الْمَعْنَى المُقْتَضي لَهُ ـ إِجماعٌ مِنْ كلِّ سَاكِتٍ عَلَى أَن لَا زَائِدَ عَلَى مَا كَانَ؛ إِذ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَائِقًا شَرْعًا أَو سَائِغًا لَفَعَلُوهُ، فَهُمْ كَانُوا أَحقَّ بإِدراكه وَالسَّبْقِ إِلى الْعَمَلِ به، وذلك إِذا نظرنا إِلى المصالح؛ فإِنه لَا يَخْلُو: إِما أَن يَكُونَ فِي هذا الْإِحْدَاثِ مَصْلَحَةٌ أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا يَقُولُ بِهِ أَحد. والأَول إِما أَن تَكُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ الْحَادِثَةُ آكَدَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زمان التشريع أَو لا. ولا يمكن أَن تكون آكد مع كون المُحْدَثَةِ زيادةً؛ لأَنها زِيَادَةُ تَكْلِيفٍ، وَنَقْصُهُ عَنِ المُكلَّف أَحْرَى بالأَزمنة المتأَخِّرة؛ لِمَا يُعْلَم مِنْ قُصُورِ الهِمَم وَاسْتِيلَاءِ الْكَسَلِ، ولأَنه خلافُ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم بالحَنِيفية السَّمْحَة، ورَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الأُمَّة، وَذَلِكَ فِي تَكْلِيفِ الْعِبَادَاتِ؛ لأَن الْعَادَاتِ أَمر آخَرُ ـ كَمَا سيأْتي  وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ ـ، فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَن تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الظَّاهِرَةُ الْآنَ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ، أَو أَضعف مِنْهَا. وعند ذلك يصير هذا الإِحداث عَبْثًا، أَو اسْتِدْرَاكًا عَلَى الشَّارِعِ؛ لأَن تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ إِن حَصَلَتْ للأَولين مِنْ غَيْرِ هَذَا الإِحداث، فالإِحداث إِذاً عَبَثٌ، إِذ لَا يَصِحُّ أَن يَحْصُلَ للأَولين دون الآخرين، مع فرض التزام العمل بما عمل به الأَوَّلون من ترك الزيادة، وإِن لم تحصل للأَولين وحصلت للآخرين، فَقَدْ صَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَشْرِيعًا بَعْدَ الشَّارِعِ يُسَبِّبُ للآخرين ما فات للأَولين، فَلَمْ يَكْمُلِ الدِّينُ إِذاً دُونَهَا، وَمَعَاذَ اللَّهِ من هذا المأْخذ][11].

ثالثا ـ الشافعية: ذكر الشيخ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري في كتابه " المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" مسألة صفة افتتاحه ﷺ الصلاة، وأنه لا يتلفّظ المصلي قبل صلاته بشيء ولا بالنية ولا ...، وإنما يفتتحها بالتكبير كما جاء في السنة، وذكر أن في المذهب الشافعية ذكر بعضهم استحباب التلفظ بها، وقاسوها على التلفّظ بالإهلال بالحجّ أو العمرة كما جاء في الأحاديث، ثمّ ذكر أن هذا القياس قد تعقّبه بعضهم، فقال القسطلاني: [ ... ولكن تعقب هذا بأنه- صلى الله عليه وسلم- قال ذلك فى ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذى جاءه من ربه تعالى فى ذلك الوادى، ولقد صلى- صلى الله عليه وسلم- أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتى من القول فى الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به فى الموضع الذى فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل][12].

وذكر العلامة ابن حجر الهيتمي تعريف البدعة وأنها مذمومة شرعا، وذكر أن ما جاء عن بعض السلف من جعل البدع على قسمين : حسن وغير حسن، فالمراد البدعة اللغوية، أما الشرعية فهي مذمومة، ومثل للقسمين، ثم قال : [ ...وَكَذَا مَا تَركه - صلى الله عليه وسلم - مَعَ قيام الْمُقْتَضى فَيكون تَركه سنة، وَفعله بِدعَة مذمومة، وَخرج بقولنَا مَعَ قيام الْمُقْتَضى فِي حَيَاته تَركه إِخْرَاج الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب وَجمع الْمُصحف، وَمَا تَركه لوُجُود الْمَانِع كالاجتماع للتراويح فَإِن الْمُقْتَضى التَّام يدْخل فِيهِ الْمَانِع ...][13].

رابعا ـ الحنابلة: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
[ وَأَمَّا نَقْلُهُمْ لِتَرْكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ نَوْعَانِ، وَكِلَاهُمَا سُنَّةٌ؛ أَحَدُهُمَا: تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهُ تَرَكَ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ، كَقَوْلِهِ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: «وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ»، وَقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ «لَمْ يَكُنْ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَلَا نِدَاءٌ»، وَقَوْلِهِ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: «وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إثرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» وَنَظَائِرُهُ.

وَالثَّانِي: عَدَمُ نَقْلِهِمْ لِمَا لَوْ فَعَلَهُ لَتَوَفَّرَتْ هِمَمُهُمْ وَدَوَاعِيهِمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى نَقْلِهِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ وَلَا حَدَّثَ بِهِ فِي مَجْمَعٍ أَبَدًا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا كَتَرْكِهِ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكِهِ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ دَائِمًا بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَوْ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَتَرْكِهِ رَفْعَ يَدَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت» يَجْهَرُ بِهَا وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ كُلُّهُمْ " آمِينَ ".

وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَنْقُلُهُ عَنْهُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ وَلَا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ مُوَاظِبٌ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمُوَاظَبَةَ لَا يُخِلُّ بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا، وَتَرْكِهِ الِاغْتِسَالَ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ، وَمِنْ هَا هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ تَرْكَهُ ﷺ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ، فَإِذَا اسْتَحْبَبْنَا فِعْلَ مَا تَرَكَهُ كَانَ نَظِيرَ اسْتِحْبَابِنَا تَرْكَ مَا فَعَلَهُ، وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَعَدَمُ النَّقْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْلَ الْعَدَمِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ مَعْرِفَةِ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا السّؤال وَقُبِلَ لَاسْتَحَبَّ لَنَا مُسْتَحِبٌّ الْأَذَانَ لِلتَّرَاوِيحِ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؟ وَاسْتَحَبَّ لَنَا مُسْتَحِبٍّ آخَرُ الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؟ وَاسْتَحَبَّ لَنَا مُسْتَحِبٌّ آخَرُ النِّدَاءَ بَعْدَ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؟ وَاسْتَحَبَّ لَنَا آخَرُ لُبْسَ السَّوَادِ وَالطَّرْحَةِ لِلْخَطِيبِ، وَخُرُوجَهُ بِالشَّاوِيشِ يَصِيحُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَفْعَ الْمُؤَذِّنِينَ أَصْوَاتَهُمْ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ؟ وَاسْتَحَبَّ لَنَا آخَرُ صَلَاةَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ إحْيَاءَهُمَا لَمْ يُنْقَلْ؟ وَانْفَتَحَ بَابُ الْبِدْعَةِ، وَقَالَ كُلُّ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ؟ وَمِنْ هَذَا تركُه أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْمَبَاطِخِ وَهُمْ يَزْرَعُونَهَا بِجِوَارِهِ بِالْمَدِينَةِ كُلَّ سَنَةٍ؛ فَلَا يُطَالِبُهُمْ بِزَكَاةٍ، وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَهَا إلَيْهِ][14].
فهذا كلام هؤلاء الأئمة في تقرير هذا الأصل العظيم، والقاعدة الجليلة، وهي أن السنة على قسمين: تركية وفعلية، على ما فصّلناه سابقا، ونقلنا كلام أهل العلم في ذلك، وعدم ضبط هذا الأصل أدّى إلى فتح باب كبير من البدع، وإذا جئنا للتمثيل على ما وقع من البدع جرّاء عدم ضبط هذا الأصل، لوجدنا الشيء الكثير، ومن ذلك صلاة الرّغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وقراءة القرآن على القبور، والاجتماع للمآتم.

ومن ذلك اتّخاذ مواسم معيّنة لم يبيّنها رسول الله ﷺ أعيادا، يحتفل بها، ويقام فيها بأعمال مختلفة وكثيرة بمناسبة ذلك اليوم، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلام جميل في هذا الباب، قال رحمه الله تعالى: [  وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا ـ والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع[15]- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذين يرجى لهم بهما المثوبة[16]، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها، كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم»[17]][18].

وهذا آخر ما أردت ذكره في هذه المقالة، سائلا الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، موافقة لشرعه العظيم، صادقة في نصيحة الناس أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على رسوله نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدّين، وسلّم تسليما كثيرا.

  وكان ذلك لسبع ليال مضت من شهر ربيع الأوّل لعام سبع وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي ﷺ
الموافق 19 / 12 / 2015

وكتبه أبو عبد الرحمن محمد بن خدة  

************************************
[1]رواه مسلم (كتاب الجمعة ـ تخفيف الصلاة والخطبة ـ 2/592 لرقم 43) من حديث جابر رضي الله عنه.
[2]رواه ابن أبي عاصم في كتاب" السنة" (باب ما ذكر زجر النبيﷺعن محدثات الأمور وتحذيره منها ـ 1/17 رقم 26) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، انظر"ظلال الجنة" (1/17).
[3]رواه وكيع بن الجراح في "الزهد" (589 رقم 315) وأبو خيثمة في "كتاب العلم" رقم 122، والأثر صحيح.
[4] رواه الترمذي (كتاب الزهد ـ باب فيمن تكلّم بكلمة يضحك بها الناس ـ باب ـ رقم 2317 و2318)، وهو صحيح بشواهده، انظر "صحيح سنن الترمذي" (2/530 ـ 531).
[5]رواه البخاري [ كناب الوضوء ـ باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين ـ 1/74 رقم 166].
[6]وهو منلا أحمد رومي الحنفي، كما قال الشيخ محمد أحمد العدوي من علماء مصر رحمه الله تعالى في كتابه " أصول في البدع والسنن" 77.
[7]"غاية الأماني في الرد على النبهاني" (1/366 ـ 367).
[8]"أحسن الكلام" نقلا من كتاب " أصول في البدع والسنن" 80.
[10]هذا قول الإمام مالك رحمه الله تعالى بناء على التقرير الذي ذكره هنا، لكن قد جاء في الآثار ما يدل على مشروعية سجود الشكر انظر " الإرواء" (2/226 ـ 232)، فما ذكرناه هنا من تقرير الإمام مالك رحمه الله تعالى قصدنا به بيان وجه الاستدلال على الأصل الذي أشرنا إليه في بيان البدع. ولهذا قال الإمام الشاطبي بعد ذلك : [ والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من حيث إنها بدعة، لا توجيه أنها بدعة على الإطلاق ] "الاعتصام"(2/271).
[11]"الاعتصام" (2/263 ـ 268).
[12]" المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (3/196).
[13]" الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي" 200.
[14]"إعلام الموقّعين" (4/264 ـ 265).
[15]قد استغلّ بعضهم هذا المقطع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، ونسب لشيخ الإسلام ما لم يقله ولا يفهم من كلامه، وكأن شيخ الإسلام يرى جواز هذا الاحتفال، مع أن كلام شيخ الإسلام واضح غاية الوضوح في أن هذا النوع من الأعياد يعدّ من البدع.   
[16]يقال هنا ما قيل في التعليق السابق، وانظر تتمة كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حتى يتّضح لك معناه.
[17]الحديث رواه ابن ماجه (كتاب المساجد والجماعات ـ باب تشييد المساجد ـ رقم 741)، وسنده ضعيف، وانظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (9/463 ـ رقم 4447).
[18]"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (404 ـ 405).
    

    

                  


 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله