المقال الخامس عشر (عُدْنَا .. والعَودُ أحْمَدُ) 28/المحرم/1437هـ

  • السبت, 14 تشرين2/نوفمبر 2015 10:59
  • حجم الخط
  • No comment
بســــــــــم الله الرحمن الرحيم
المقالة الخامسة عشرة

عُدْنَا . . . وَالْعَوْدُ أَحْمَدُ

 
الحمد لله الذي خلق كل شيء فأتقنه، وأكرم آدم وفضله، وسوى الإنسان فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد الذي جاء بالهدى وبيّنه، وعلى آله وصحبه من شادّ الدين وعظّمه، وعلى كل من تبعهم بإحسان فانتهج نهجهم والتزمه، وبعد:
فعدنا والعود أحمد، عدنا إلى كتابة المقال الشهري، في مستهل كل شهر ، على ما كان عليه الأمر من قبل، وذلك بعد انقطاع، كان سببه طارئا، ودافعه غالبا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

عدنا لكتابة المقال الشهري، نجلي فيه الأحكام، ونرجو أن ننير به الأفهام، بما نورده من نصوص الكتاب وسنة خير الأنام، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، وبما نستنير به من أقوال أهل العلم الـمُوَضِحة للمرام. وإن أداء مثل هذا العمل مما يجب القيام به، والدعوة إليه، كلٌّ بحسبه قدرته واستطاعته، وإن مثل هذا العمل ليعدُّ وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وسبيلا من سبل التعليم.

ومما يجب أن ننبه عليه، ونلفت الأنظار إليه،  أن لا تقتصر كتابة الكاتب على مجرد الكتابة فقط، ولا تقف قراءة القارئ على مجرد القراءة فقط، فإن مثل هذا ليس هو حقيقة المطلوب، ولا هو غاية المرغوب، حتى يرتبط به العمل، ويقترن به الفعل، وإلا يكن، فاعلم أن هذا العلم سيرتفع، ولا يبقى، وهذا مصداقه ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ، فعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال:
«كُنّا مَعَ رسول الله ﷺ، فشخص بصره إلى السماء، ثم قال: "هَذَا أوانُ يُخْتلسُ العِلْمُ مِن النّاسِ، حتّى لا يقْدِرُوا مِنْهُ على شيْءٍ»، فقال زِيادُ بْنُ لبِيدٍ الأنصاري : كيْف يُخْتلسُ مِنّا، وقد قرأْنا القُرْآن؟! فواللهِ لنقْرأنَّهُ ولنُقْرِئَنَّهُ نِساءَنا وأبْناءَنا! فقَالَ: «ثَكِلتْك أُمُّك يا زِيادُ! إِنْ كُنْتُ لأعُدُّك مِنْ فُقهاءِ المدِينةِ، هذِهِ التّوْراةُ والإِنْجِيلُ عِنْد اليهُودِ والنّصارى، فَمَاذَا تُغْنِي عنْهُمْ؟!» قال جُبيْرٌ بْنُ نفير: فلقِيتُ عُبادةَ بْنَ الصّامِتِ قُلْتُ: ألا تسْمعُ إلى ما يقُولُ أخوك أبُو الدّرْداءِ؟! فأخْبرْتُهُ بِالّذِي قال أبو الدرداء، قال: «صدق أبُو الدّرْداءِ، إن شِئْتَ، لأُحَدِثَنَّك بِأَوّلِ عِلْمٍ يُرْفعُ مِن النّاسِ: الخُشُوعُ، يُوشِكُ أنْ تدخُل مسْجِد جماعة، فلا ترى فِيهِ رجلا خاشِعًا»[1].

وفي رواية عند الإمام أحمد من حديث زياد بن لبيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه ذكر شيئًا فقال:
" وذاك عِنْد أوانِ ذِهابِ الْعِلْمِ " قال: قلنا : يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟!قال: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهُودُ والنّصارى يقْرءُون التّوْراة والْإِنْجِيل لا ينتفعون مما فيهما بِشيْءٍ ؟"[2].

فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن ذهاب العلم بذهاب العمل، ومن الصحابة من فسر ذلك بذهاب العلم الباطن من القلوب وهو الخشوع، كما سبق عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ونقل نحوه عن حذيفة بن اليمان قال: " أوّل ما تفقدون من دينكم الخُشُوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة".[3]

وقال الحسن: "العلم علمان، فعِلْمٌ في الْقلْبِ فذاك الْعِلْمُ النافِعُ،  وعِلْمُ على اللِّسانِ فذلك حُجّةُ اللهِ على ابْنِ آدمِ، "[4].

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: [ومن هنا قَسَّمَ من قَسَّمَ من العُلَمَاءِ العلم إِلى باطن وظاهر، فالباطن: ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع، والتعظيم والإجلال، والمحبة والأنس والشوق. والظاهر: ما كان على اللسان، فبه تقوم حجة الله على ابن آدم][5].

ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام "والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ"[6]. وفي صحيح مسلم[7] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "إِنّ أقْوامًا يقْرءُون الْقُرْآن لا يُجاوِزُ تراقِيهُمْ، ولكِنْ إِذا وقع فِي الْقلْبِ فرسخ فِيهِ نفع".

فالعلم النافع هو ما باشر القلب فأوقر فيه معرفة الله تعالى وعظمته، وخشيته وإجلاله، وتعظيمه ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح كلها تبعًا لخشوعه[8]. وقد كان من دعائه ﷺ " اللهم إني أسألك علما نافعا وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ "[9].
وهذا يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع. فإذا ذهب من الناس العلم الباطن بقي الظاهر على الألسنة حجة، ثم يذهب هذا العلم الذي هو حجة بذهاب حملته[10]، ولا يبقى من الدين إلا اسمه فيبقى القرآن في المصاحف ثم يسرى به في آخر الزمان فلا يبقى منه في المصاحف ولا في القلوب شيء[11].

ومن وصايا السلف، ما كتب به وهب بن منبه إلى مكحول: "إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ عند الناس محبة وشَرَفًا، فَاطْلُبْ بِمَا بَطَنَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ مَحَبَّةً وَزُلْفَى، واعْلمْ أن إِحْدى المنزلتين تَمْنعُك من الْأُخْرى"[12].

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: [ فأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وهو ما يظهر على اللسان، وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له، وتقدمه عندهم، فحذره من الوقوف عند ذلك، والركون إليه والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم؛ فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق. وأشار بعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب، فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأمره أن يطلب بهذا المحبة من الله والقرب منه والزلفى لديه][13].

ولذلك، كما أننا نسعى في تحصيل العلم الظاهر ـ كما سمّاه الحافظ ابن رجب ـ فينبغي لنا أن ننتبه إلى العلم الباطن، فلابد من رجعة صادقة، وعودة واثقة، ولذلك قلت: عدنا والعود أحمدُ:
                يَقُــولُ عَــبْـدُ رَبِّـهِ مُحَمَّـــدُ           اَللهَ رَبِّي أَحْمَــــدُهْ وَأَشْـهَـــدُ
                لِلّه ِبِالتَّـوحـِـيـدِ ثُمَّ أُفْــــــرِدُ           مُتَّـبِـعاً نَبِيَّـــــنَا مُـــــحَمَّدُ[14]  
                فَالْعِلْمُ مَنْ يَجْمَعُهُ يُمَجَّـــــدُ            فَاحْرِصْ أُخـَــيَّ تَسْعَدُ وَتُرْشَـدُ
                عِلْمُ اللِّسَانِ ظَاهِـــرٌ وَأَوْرَدُوا           عِلْمَ الْخُشُوعِ فِي الْقُلُوبِ يُوجَدُ
                فَلْتَحْرِصُوا عَلَيْهِمَا وَشَـــدِّدُوا           عَلَى الْقُلُوبِ تُفْلِـحُوا وَتَهْـتَدُوا
                فَالْعَوْدَ ثُمَّ الْعَوْدَ فَهْوَ أَفْيَــــدُ            قَدْ قُلْتُ عُدْنَا وَهْوَ دَوْماً أَحْمَـدُ
                ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُسْنَــــدُ            إلَى النَّبٍيْ رَسُولِنَا الْمُمَجَّـــــدُ
                مَا أَشْرَقَتْ شَمْسُ الدُّنَا وَجَوَّدُوا          هَذَا الْكِتَابَ[15]، فَاسْمَعُوا وسَدِّدُوا

كتبه بيده أبو عبد الرحمن محمد بن خدة
وكان تمامه يوم الثلاثاء  28 المحرم 1437 هـ  الموافق 11/11/2015
******************
[1]رواه  الدارمي في "سننه" (2/448 ـ فتح المنان) ومن طريقه الترمذي(2653) وقال: [ هذا حديث حسن غريب]، وصححه الشيخ الألباني.
[2] رواه أحمد في "المسند"(4/160)، وفي سنده انقطاع، لكن يشهد له حديث أبي الدرداء السابق.
[3] رواه الإمام أحمد في كتابه " الزهد" ص224، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/281).
[4] رواه الدارمي (3/109 رقم 384 ـ فتح المنان) وإسناده صحيح.
[5]  رسالة شرح حديث أبي الدرداء للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ص47.
[6] رواه مسلم (1/203 رقم 223).
[7] برقم 722.
[8] رسالة شرح حديث أبي الدرداء للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ص45.
[9] رواه ابن حبان في صحيحه انظر "التعليقات الحسان"(1/200 رقم 82) والنسائي في "السنن الكبرى" (7/205 رقم7818) من حدبث جابر     رضي الله عنهما، وإسناده حسن، وجاء عند ابن ماجه  بلفظ الطلب: "سلوا الله علما نافعا، وتعوّذوا بالله من علم لا ينفع".
[10]كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ? «إِنّ الله لا يقْبِضُ العِلْم انْتِزاعًا ينْتزِعُهُ مِنْ  الناس، ولكِنْ يَقْبٍضُ العِلْمَ بِقَيْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لمْ يَتْرُكْ عالِما، اتّخذ النّاسُ رُءُساً جُهّالًا، فسُئِلُوا فأفْتوْا بِغيْرِ عِلْم،ٍ فضلُّوا وأضلُّوا» رواه البخاري( 100 و7307) ومسلم (2673) واللفظ لمسلم.                                             
[11] انظر "رسالة شرح حديث أبي الدرداء"، للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ص47، وهذا فيه إشارة إلى لفط حديث: " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها" أخرجه ابن ماجه (4049) والحاكم (4 / 473) من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعا به، وهو حديث صحيح، انظر "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/171 رقم 87).
[12] رواه أبو نعيم في "الحلية" (4/54).
[13] رسالة شرح حديث أبي الدرداء للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ص47 ـ 48.
[14] الرفع هنا على إضمار المبتدأ، والتقدير "هو محمد"
[14] أي القرآن الكريم.
[15] الرفع هنا على إضمار المبتدأ، والتقدير "هوالممجد"

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله