المقال الرابع عشر (حُكْمُ الجُمُعَةِ إذَا وَافَقَتْ يَوْمَ عِيدٍ) 03 /شوال /1436هـ

  • الإثنين, 20 تموز/يوليو 2015 10:52
  • حجم الخط
  • No comment

المقالة الرابعة عشرة  {حكم الجمعة إذا وافقت يوم عيد}

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد :
فإن من المسائل التي يتكرر وقوعها من وقت لآخر مسألة توافق الجمعة والعيد في يوم واحد، فيرد التساؤل من عامة الناس حول حكم حضور الجمعة، هل يبقى على أصله  ـ وهو الوجوب ـ أو لا؟

أقول: لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال سأحاول ذكرها اختصارا [1] مع التدليل وبيان القول الذي يظهر أنه أقوى وأرجح فيما يظهر لي.

القول الأول: سقوط صلاة الجمعة عن أهل القرى وأهل البلد ولكن يجب أداء الظّهر  بدلها، وهذا مذهب الإمام أحمد، ونقل عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضوان الله عليهم.واستدلّ أصحاب هذا القول بما يلي:
حديث إيّاس بن أبي رملة الشّامي قال شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟» قال «نعم» فقال: «فكيف صنع» قال: «صلّى العيد ثم رخّص في الجمعة فقال: «من شاء فليصل». أخرجه أبو داود (1/646) والنّسائي (3/193) وابن ماجة (1/415) وأحمد (4/372) وغيرهم، وهذا لفظهم كلهم مع اختلاف يسير في الألفاظ، وفي زيادة «صلّى العيد أول النّهار» و «من يشاء أن يجمع فليجمع»، و «من شاء أن يجلس فليجلس».

وهذا الحديث جاء من طرق عن إسرائيل حدّثنا عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة به.
 و هذا سند ضعيف، فيه إياس بن أبي رملة الشامي، مجهول كما قال الإمام ابن المنذر ونقله عنه الإمام ابن القطان الفاسي في كتابه "بيان الوهم والإبهام" (4/203)، وأيده بقوله "وهو كما قال"، وقال الحافظ في "التقريب": «مجهول» وذكره الذهبي في "الميزان" فنقل كلام ابن المنذر وأقره. وللحديث شاهدان:    
أولهما: حديث أبي هريرة r أنّه قال: قال ﷺ :«قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنّا مجمعون». وقد اختلف في وصله وإرساله. فأخرجه أبو داود (1/647) وان ماجة (1/416) وغيرهما موصولا.
وجاء مرسلا ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5728) والبيهقي (3/318) وذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (10/276) ولم يسنده.
وسواء ترجح الموصول أو المرسل[2] ، فهو يصلح شاهدا للحديث السابق.  

و الثاني: حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: "اجتمعا عيدان على عهد رسول الله ﷺ فصلّى بالناس ثم قال: "من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف".
        أخرجه ابن ماجة (1/416) والطّبراني (12/435) وابن الجوزي "العلل المتناهية" واللفظ لابن ماجة.
        وسند ابن ماجة ضعيف فيه جبارة بن المغلس ومندل بن علي فكل منهما ضعيف.

        وأمّا سند الطّبراني فضعيف جدّا من أجل سعد بن راشد السمّاك قال البخاري، منكر الحديث وقال النّسائي متروك، وقال أبو حاتم، ضعيف الحديث منكر الحديث.

        ولكن يبقى طريق ابن ماجة يصلح شاهدا لتقوية حديث الباب والله أعلم.
        ومن مجموع هذه الطرق يتبيّن لنا صحة هذا الحديث وهو دليل قويّ وحجّة قويّة لأصحاب هذا القول.
وقد صحّح الحديث ابن المديني والحاكم و وافقه الذهبي والنووي ، وذكر الإمام ابن عبد البر تقوية ابن المديني له ولم يعقب عليه بشيء، وكذا ابن التركماني حيث قال: «لم يذكر البيهقي لهذا الحديث علة ومقتضاه الاكتفاء بالعيد...فظهر أنّه لم يذكر لحديث زيد علة ولا معارضا» ، "الجوهر النقي بهامش السنن" وصححه كذلك البوصيري في "مصباح الزجاجة" ونقل ابن الملقن رحمه الله في كتابه "خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" (1/238 رقم929): «وصححه ابن السكن...»، وذكر الإمام صديق حسن خان في "الموعظة الحسنة" فقال: «ظاهر حديث زيد ابن أرقم...فذكره. ثم قال: وهذا الحديث قد صحّحه ابن المديني وحسنه النووي وقال ابن الجوزي: هو أصح ما في الباب». وأقرّ على هذا وكأنّه يرى الحديث ثابتا، وصحح الحديث –كذلك- الشّيخ الألباني في "تمام المنة" وفي "الأجوبة النافعة" (ص50).

وقد قال بهذا القول كثير من أئمّة السّلف من الصّحابة والتابعين، فمن الصّحابة عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عبّاس وابن مسعود وعبد الله بن الزبير ومن التّابعين الشعبي والنّخعي[3].

القول الثاني: أنّه تصلّى صلاة العيد ويرخّص في الجمعة لأهل العالية وأهل القرى دون أهل البلد. وهذا قول عثمان بن عفان رضي الله عنه و عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشّافعي، وجمهور العلماء كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو منقول عن الإمام مالك لكن بإذن الإمام كما ذكره الزّرقاني (1/364) . وحجة هذا القول ما يلي:

ما ذكره البيهقي في سننه (3/312) حيث قال: [ويروى عن سفيان بن عيينة عن عبد العزيز موصولا مقيدا بأهل العالية وفي إسناده ضعف] ، ثم هو مخالف لكل روايات الحديث من جميع طرقه حيث لم يرد ذكر هذا القيد فيها.
واحتجوا كذلك بما رواه الشّافعي (1/239) ومن طريقه البيهقي في السنن (3/318) و"معرفة السنن والآثار" (3/65) من طريق عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ فقال: "من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج".وهذا الحديث كما قال البيهقي: منقطع، يعني بين عمر بن عبد العزيز والنّبي ﷺ ، و في سنده إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى قال الحافظ (متروك).
وأقوى حجة لهم هو أثر عثمان بن عفان رضي الله عنه :
أخرجه البخاري (10/24) ومالك (ص144 رقم4311) وعنه الشّافعي "الأم" (1/398،399) وغيرهم من طرق عن الزهري عن أبي عبيد مولى بن أزهر قال ثم شهدت العيد مع عثمان وكان ذلك يوم جمعة فصلّى قبل الخطبة ثم خطب فقال: "يأيها النّاس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له"'هذا لفظ البخاري، والباقون مثله مع تقديم وتأخير أو نحوه.

وهذا الأثر الثابت عن عثمان رضي الله عنه هو أقوى ما يحتجّ به أصحاب هذا القول، والجواب عنه من أوجه.
أنّ هذا فعل صحابي وقد خالف فيه الحديث الصّحيح.

أنّه قد ثبت عن بعض الصّحابة القول بخلافه وعند ذلك فالحجّة في النّص الشرعي وقد ثبت بخلافه وعمل به بعض الصّحابة كما سبق.
ليس في هذا الأثر ما يدل صراحة على أنّ الإذن والرخصة إنما هي خاصة بأهل العوالي وأصحاب البادية، ولعله إنما خصهم عثمان رضي الله عنه بالخطاب لأنّهم هم أولى بها لبعد بيوتهم ومنازلهم فهم أولى بأن يسرع في إبلاغهم بهذه الرخصة العظيمة التي منّ الله بها عباده.فإن قال قائل: لقد تكلّم عثمان رضي الله عنه بهذا على مشهد من النّاس وفيهم من الصّحابة الجمّ الغفير ولم ينكر عليه أحد ولم ينقل عنهم ذلك، فالجواب عن هذا كذلك من أوجه:
قد ثبت عن عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين مخالفته في هذا الحكم وهو جواز الاكتفاء بأحد العيدين إذا اجتمعا، فليس فعله رضي الله عنه وهو واحد أولى بالأخذ من فعلهم وهم جماعة، زد على هذا أنّ النّص الشرعي قد جاء موافقا لفعلهم والحجّة فيه لا في غيره –والله أعلم.

عدم العلم بمن أنكر عليه في ذلك لا يَسْتَلْزِمْ عدم وجوده، فقد يكون أنكر عليه أو خالفه بعضهم في هذا وأخبر بذلك ولم ينقل ذلك إلينا.    فهذا غاية ما يحتجّ به أصحاب هذا القول، وهذا القول كما سبق هو مذهب الشّافعية في أحد قوليه، وهذا القول
القول الثالث: أنّ الجمعة على من صلّى العيد ومن لم يصله، وهذا قول مالك وغيره –وهي الرواية الأخرى لمالك- وبه قال ابن حزم في "المحلّى". قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (7/23): [9498 –قال أبو عمر: ذهب مالك r في إذن عثمان I فيما ذهب لأهل العوالي إلى أنّه عنده غير معمول به.

وأدلة هذا القول في الجملة [4]:
كون إسقاط الجمعة بالعيد لم يأت فيه حديث تقوم به الحجّة، و قد سبق بيان أنّ الحديث صحيح، وأفتى به – بل وعمل أيضا به- جمع من الصّحابة، وقد ثبت ذلك عنهم بالأسانيد الصّحاح، ومنهم من صرّح بأنّ ذلك هو السّنّة.

كون صلاة الجمعة فرض وصلاة العيد تطوع فلا يجوز ترك فرض بتطوع.فأولا لا نسلم كون صلاة العيد تطوع بل هي من الواجبات ويكفي في التّدليل على ذلك ما ثبت عنه ﷺ من أمره بالخروج إليها بل وأمر النساء كذلك بل حتّى الحيّض وكذا أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها، فهذا الأمر يفيد الوجوب إذ لا صارف له، وإذا كان الأمر متوجها للخروج فلا شك أنّ الأمر الذي يخرج من أجله واجب من باب أولى كما يفيده فحوى الخطاب، وكذا وجوب الوسيلة تستلزم وجوب المتوسل إليه، والله تعالى أعلم.
ثم إذا سلّمنا لهم بذلك، فالذي أوجب الجمعة هو نفسه الذي سنّ صلاة العيد وهو نفسه القائل بإسقاط هذه لتلك فكيف يتصور التعارض في ذلك، فالنّبي ﷺ هو الذي أوجب الجمعة وهو الذي لازم وداوم على صلاة العيدين وهو الذي رخّص لمن حضر العيد أن لا يحضر الجمعة فلا تعارض ولا تناقض في ذلك والله تعالى أعلم وأحكم.

وأمّا دليلهم الأخير وهو ما نقل في المدونة وذكره الإمام ابن المنذر وهو عموم قوله تعالى    ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَء َامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ﴾ فلم يخص يوم العيد من غيره. فعموم الآية يشمل كل الأيام فلا يجوز الترخيص في ترك الجمعة وتخصيص ذلك بشيء إلا بدليل يدّل على ذلك فالجواب على هذا:أنّ قولهم (إلا بدليل) فقد ثبت عندنا الدّليل على ذلك وهو صحيح وقد صححه جمع من العلماء بل وأفتى به الصّحابة وعملوا به فهذا العموم الوارد في الآية قد ورد الدليل الصّحيح الثابت في السّنّة لِيُخَصِّصَهُ.
وأمّا ما ذكره الإمام الباجي في المنتقى عند توجيهه لرواية ابن القاسم حيث قال (ومن وجهة المعنى أنّ الفرائض ليس للأئمة الإذن في تركها وإنّما ذلك بحسب العذر فمتى أسقطها العذر سقطت ولم يكن للإمام المطالبة بها، وإن ثبت لعدم العذر لم يكن للإمام إسقاطها...).
فالجواب عن هذا ظاهر وواضح وهو أنّ الذي أسقطها هو النّبي ﷺ وهو المبلّغ عن ربه تبارك وتعالى وهذا تشريع منه عليه الصلاة والسلام فإنما أسقطناه بالدليل الشرعي وإنّما ذكر ذلك لأنّهم رأوا أنّ الدليل في إسقاطها هو قول عثمان رضي الله عنه ولم يبلغهم حديث النّبي ﷺ وهو دليلنا نحن فلا حجة لهم فيما ذكروه.

القول الرابع: إذا صلوا العيد فلا تجب بعده الجمعة ولا الظّهر ولا غيرهما إلى العصر على الإطلاق لأهل البلد أو أهل القرى وهذا القول مرويّ عن ابن الزبير وعطاء بن أبي رباح ولا بد من تحقيق نسبة هذا القول إليهما.أمّا عبد الله بن الزبير فقد ثبت ذلك عنه ولكنّ الأثر المنقول عنه يحتاج إلى بيان وتحقيق من ناحية سنده أولا ثم من ناحية متنه ثانيا [5]:

فأمّا الأثر فقد أخرجه أبو داود (1/280) عن عطاء ابن أبي رباح قال صلّى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أوّل النّهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عبّاس بالطّائف فلمّا ذكرنا ذلك له قال: «أصاب السّنّة»، وجاء بلفظ: قال عطاء: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما، فليصلّ ركعتين فقط، حيث يصلّي صلاة الفطر ثمّ هي حتّى يصلّي صلاة العصر ثم أخبرني عن ذلك قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمان ابن الزبير فقال ابن الزبير عيدين اجتمعا في يوم واحد فجمّعهما جميعا فجعلهما واحدا وصلّى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر ثم لم يزد عليهما حتّى صلّى العصر قال فأمّا الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأمّا من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال: "ولقد أنكرت [6] أنا ذلك عليه، وصليت الظّهر يومئذ، قال حتّى بلغنا بعد أنّ العيدين كانا إذا اجتمعا كذلك صلَّيا واحدة [7].

وأمّا لفظ أبي داود فقال: "عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمّعهما جميعا فصلاّهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتّى صلّى العصر"، وعند ابن أبي شيبة قال "وصلّى العيد بعدما ارتفع النّهار ثم دخل فلم يخرج حتّى صلّى العصر...".

والحاصل أن ابن الزبير إنما صلّى بهم صلاة العيد لكنّه قدم الخطبة على الصلاة [8] ، ولم يخرج إليهم حتّى العصر لكن ليس صريحا في أنّه لم يصلّ الظّهر، فقد يكون صلاّها في بيته، كما روى ذلك عنه الإمام عبد الرزاق [9] .

وأمّا عطاء بن أبي رباح فمذهبه إنما أخذه عن ابن الزبير كما جاء في الآثار السّابقة حيث قال أي ابن الزبير جعلهما واحد ولم يزد عليهما حتّى العصر، وذكر أنّه صلّى الظّهر يومئذ ثم قال حتّى بلغنا أنّ العيدين كان إذا اجتمعا كذلك صليا واحدة. وذكر كذلك في أثر آخر أنهم لمّا ذهبوا إلى الجمعة لم يخرج إليهم فصلوا وحدانا أي الظّهر لا شك والله أعلم.

ولذلك فإنّا نقول: أنّ فعل عطاء هذا إذا كان على ظاهره أي أنّه يرى سقوط الجمعة والظّهر مستدلا في ذلك بفعل ابن الزبير. فنقول أنّه ليس في فعل ابن الزبير ما يدلّ على ذلك لجواز أن يكون ابن الزبير صلّى في بيته الظّهر بلا شك. لأنّه إذا كان الترخيص في جماعة الجمعة ثابت فهو للظهر من باب أولى وعلى كل ففعل عطاء على ترك الجمعة والظّهر غير واضح وهو قول مرجوح، والله تعالى أعلم.
والذي يظهر أقوى في هذه المسألة هو القول بأن من حضر العيد صارت الجمعة في حقه مستحبة، فإن لم يأتها صلاها ظهرا، ويلزم إقامة الجمعة من الإمام أو من ينوب عنه ليحضرها من فاتته صلاة العيد ومن أراد حضورها، للأدلة التي سقناها عند ذكر القول الأول، ثم هذا كذلك يوافق القاعدة الشّرعية وهو ما إذا اجتمعت عبادتان متساويتان في الحكم فإنّ إحداهما تدخل في الأخرى كما قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله [...ولأنّ يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عيدان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر والله أعلم] (مجموع الفتاوي (24/211). وقال كذلك رحمه الله فيما سبق ذكره من التيسير في نفس الكتاب: [... وأيضا فإنّه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع، ثم إنّه يصلّي الظّهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظّهر في وقتها، والعيد يحصل به مقصود الجمعة، وفي إيجابها على النّاس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم، وما سنّ لهم من السرور فيه والانبساط فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال...]. وقال كذلك عليه رحمة الله ـ مبينا القول الراجح ـ بعد ذكره لقولين في المسألة :

(والقول الثالث: وهو الصّحيح أنّ من شهد العيد سقطت عنه الجمعة ولكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد، وهذا هو المأثور عن النّبي ﷺ وأصحابه كعمر وعثمان وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصّحابة في ذلك خلاف. وأصحاب القولين الأولين لم يبلغهم ما في ذلك من السّنّة عن النّبي ﷺ لمّا اجتمع في يومه عيدان صلّى العيد ثم رخصّ في الجمعة وفي لفظ أنّه قال أيها النّاس إنّكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنّا مجمعون ...]مجموع الفتوى (24/211).

    قال الحافظ المنذري في "مختصر السنن" (2/11) نقلا عن الخطابي في بيان معنى الحديث (...ويشبه أن يكون معناه لو صحّ أن يكون المراد بقوله من شاء أجزأه الجمعة" أي عن حضورها ولا يسقط عنه الظهر...).

 لكن ذكر الإمام الشّوكاني في "نيل الأوطار" (3/283) ـ بعد سرده لأقوال أهل العلم في المسألة ـ أنّ الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوّغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظّهر وإليه ذهب عطاء ، وأن إيجاب صلاة الظّهر على من تركها لعذر أو لغير عذر يحتاج إلى دليل ولا دليل يصلح للتمسّك به على ذلك، لكنّ الصّحيح والصّواب وجوب صلاة الظّهر لمن ترك الجمعة لعذر أو لغير عذر . وقد أجاب الإمام الصّنعاني في "سبل السلام" (2/107) عن ذلك ومما قاله: [ ... لاحتمال أنّه صلّى الظّهر في منزله بل قول عطاء إنّهم صلوا وحدانا أي الظّهر ما يشعر بأنّه لا قائل بسقوطه ولا يقال إن مراده صلوا الجمعة وحدانا فإنها لا تصح إلاّ جماعة إجماعا، ثم القول بأنّ الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة والظّهر بدل عنها قول مرجوح بل الظّهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء والجمعة متأخر فرضها ثم إذا فاتت الجمعة وجب الظّهر إجماعا فهي البدل عنه وقد حققناه في رسالة مستقلة] . قلت ويؤيّد هذا الآثار الواردة عن السّلف في أنّ المعذور إذا صلّى الجمعة مع الإمام ركعتين أجزأته وإذا صلّى وحده صلّى أربعا فمن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا صليتنّ يوم الجمعة مع الإمام فصلين بصلاته وإذا صليتنّ في بيوتكنّ فصلين أربعا" وسنده أبو معاوية عن مسلم بن نجيح عن عبد الله بن معدان عن جدّته قالت قال لنا عبد الله ابن مسعود به.

وقال حدثنا حفص عن أشعث عن الحسن قال كن نساء المهاجرين يصلّين الجمعة مع رسول الله ﷺ ثم يحتسبن بها من الظّهر.    بل جاء في الحديث الصّحيح أنّ المسافر ليس عليه الجمعة وقد فعل ذلك النّبي ﷺ كما جاء في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل في صفة حجّة النّبي ﷺ حيث قال: "حتّى أتى عرفة... فصلّى الظّهر ثمّ أقام فصلّى العصر". وقد كان ذلك يوم جمعة كما في الصّحيحين وغيرهما.

    فهذا دليل على أنّ المعذور إذا ترك الجمعة لعذر  صلّى الظّهر كما صلاّها النّبي ﷺ وإنما صلاّها ركعتين لأنّه كان مسافر فيجب عليه القصر.

    كما وردت في ذلك آثار كثيرة أيضا في أنّ بعض الصحابة وكذا التّابعين كانوا إذا سافروا صلوا الظّهر ركعتين ولم يجمّعوا فهذا دليل على وجوب صلاة الظّهر لمن ترك الجمعة لعذر .

والمسألة فيها مناقشة للأدلة أوسع مما ذكرت هنا، ولا يتسع المقال لذكرها، ولكن قد بحثتها بما استطعت في رسالتي،  وهذا ما تيسر اختصاره من أصل الرسالة، سائلا ربي تعالى أن أكون مُوَفَّقاً ومُوَافِقاً للصواب، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وتمّ اختصاره وتهذيبه بيد أبي عبد الرحمن محمد بن  خدة         
صبيحة يوم الأحد الثالث من شهر شوال لعام ست وثلاثين وأربعمئة وألف   
من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الموافق 19/07/2015.   


**************************
[1] ولي في هذه المسألة رسالة قد توسعت في بيان أقوال أهل العلم فيها مع التدليل والمناقشة والترجيح، وقد يسر الله لي قراءتها بحضرة بعض الطلبة على شيخنا المحدث المفضال مفلح بن سليمان الرشيدي رحمه الله تعالى، وكان فيها مناقشة حول المسألة حديثيا وفقهيا، تضمنت فوائد جليلة منه رحمه الله تعالى، وهي مسجلة في شريط كاست، والرسالة جاهزة، عسى الله أن ييسر طبعها بعونه وتوفيقه وكرمه.
[2] وفي رسالتي بحث حول هذا الاختلاف.
[3] وقد ذكرت هذه الآثار في الرسالة بألفاظها وتخريجها، وتوسعت في بيان ذلك.
[4] ذكرت في أصل هذه الرسالة النقول عن أهل العلم ممن قال بهذا القول، وفيها ذكر أدلتهم.
[5] وأثر ابن الزبير فيه اختلاف في أسانيده وألفاظه، وبعض الإشكالات كذلك، وقد فصلت ذلك في الرسالة.
[6] أنكر عليه عدم خروجه .
[7] التمهيد (10/269) "صليا كذلك واحدة..." فلما بلغه أنهما يصليان واحدة لم ينكر بعد.
[8] وفي الرسالة التي ذكرت بحث حول أول من قدم الخطبة على صلاة العيد.
[9] والأثر فيه مناقشة ذكرتها في الرسالة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله