بسم الله الرحمن الرحيم

فَصْلٌ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأَقْوَال والأَفْعَالِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوع


{المقدمة}
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، ووعد من اتقاه أن يجعل له مخرجا ، وجعل لهذه الأمة سبيلا ومنسكا ومنهجا ، والصلاة والسلام على المبعوث إلى ذوي الحِجَى ، بالخوف والرجا ، من أتاه الله تعالى البينات والحججَ ، وعلى آله وأصحابه الميامين خير من مشى على البسيطة -بعد النبي صلى الله عليه وسلم- ودرجَ.
وبعد: فإن في فواصل هذه الكلمات ، وفي ما خُتمت به هذه العبارات ، إشارة إلى مدارك عالية ، ومعانٍ سامية ، ومرام غالية ، فقد أنزل الله تعالى الكتاب بالحق و (جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بينا واضحا جليا نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤمنين) [1]، وجعل تعالى لهذه الأمة سبيلا ومنهجا تسلكه  {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ...}الأنعام153 ، فأمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، فمن اعوجّ عن الدين ، وخالف هذا المنهج المسطّر المخطّ والسبيل ، فقد وقع في المخالفة ، وتلك بذرة في تفرقة المؤمنين .
ولذلك فمن أسباب السلامة وأن يجعل الله له المخرج من ذلك أن يتقي الله تعالى بأن يُراقبه في السّر والعلن ، والجهر والخفاء ، والغيب والشهادة، وفي القول والفعل والعقد ، مراقبة من يستحضر مشاهدة ربه له، وإحاطةَ علمه به ، وأن ذلك كله في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأنه تعالى سائلك يوم القيامة عن ذلك  {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ }الصافات24 .

فأعذّ لذلك اليوم جوابا ، واحرص أن يكون صوابا ، وكن فيه مخلصا منيبا أوابا ، واجمع في تقواك بين خوفك من الله ورجاك  {... إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90 ، وقد آتاك الله العقل والحِجى ، لتفهم عنه وتدرك آياته وحججه ،  {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ }الفجر5 أي(هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لذي حجر، وإنما عُنِيَ بذلك: إن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه مما هو أغلظ منه في الإقسام) [2] ، فأعمل ما آتاك الله من فهم وعقل وإدراك ، أعمله في فهم دين الله تعالى مستندا في ذلك إلى الأدلة التي تستند عليها الأحكام الشرعية من النصوص والحجج، وكن سالكا في ذلك طريق السلف الصالح فهم أهل الخيرية الأولى وأصحاب الرضوان في الدنيا والأخرى  {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }البقرة137 ، فقوله (بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ) أول من يدخل في ذلك أصحاب الجيل الأول وصدر الإسلام الصحابة الكرام ، الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وعايشوه كما عايشوا التنزيل ، وعرفوه وأدركوا مقاصده ومعانيه ، وكفى بهذا دليلا –وغيره كثير من الكتاب والسنة- على اعتبار منهج السلف وفهمهم –رضوان الله تعالى عيلهم- .
وإذا تقرر ما سبق ، فلا شك في لزوم سلوك ما درج عليه الصحابة الكرام عليهم الرضوان ، إشارة إلى التحذير والنهي عن سلوك سبيل غيرهم ، وذلك ينبيك أن من الناس من تزل به القدم فيقع في مهاوي هذه المخالفة ، وهذا من الابتلاء الذي ابتلى الله به عباده {... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ...}الملك2 - هود7 ، فحسن العمل يكون بإخلاصه لله سبحانه وتعالى ، وأدائه وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بتحقيق الاتباع
.
وإن مما لا شك فيه أن مثل هذه المخالفة التي يقع فيها طائفة من الناس ، هو مما قضاه الله تعالى كونا ، ولا يعني أن ذلك مما يحبّه تعالى شرعا ، قال تعالى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ... }هود119 - 118 .
فكونهم لا يزالون مختلفين فهذا مما قضاه الله تعالى كونا ، وقوله تعالى (إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) إشارة إلى النهي عن الاختلاف والأمر بالاجتماع، ففي الاجتماع الرحمة ، ومن رحمه الله أمِنه وأمَّنه من الاختلاف.

وهذا الاختلاف المذكور في هذه الآية ، وإن حمله بعض المفسرين على الاختلاف المنافي للدين الإيمان ، فهو مخالفة أهل الكفر وأهل الشرك ، في مقابل أهل الإيمان ، إلا أن ذلك لا يمنع من دخول قسمٍ من الاختلاف الذي نهى الله عنه وإن كان لا يُخرج صاحبُه عن دائرة الإسلام.

 وقد يقع في هذا الاختلاف نوع  من البغي والظلم والجهل بين المختلفين والمتنازعين والمتخاصمين ، ولمّا كان تحقيق الكلام في مثل هذه المسألة يحتاج إلى إحاطة بالأدلة الشرعية المنصبّة في حياض هذه القضية ، أحببت أن أسرد كلاما لإمام من أئمة السنة المشهود له من موافقيه ومخالفيه بالعلم والتحقيق فيه والمشهود له بالحلم مع مخالفيه وسعة صدره.

فقد تكلم في هذا الموضوع بكلام جميل مَاتع ، وعمّم وخصّص فهو جامع ومانع، فينبغي لنا أن نقرأه ونستفيد من تقريراته فيه ، وكيف ربط ما حرّره في كلامه هذا بنصوص الشريعة وضرب الأمثلة ببعض ما وقع في هذه الأمة ، فهاهو كلام شيخ الإسلام  وعلم من الأعلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- ، وذلك في فصل ذكره في مقدّمة كتابه الفذ (الاستقامة) [3] قال رحمه الله تعالى:
{فَصْلٌ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأَقْوَال والأَفْعَالِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوع}
فَإِن هَذَا من أعظم أصُول الْإِسْلَام، الَّذِي هُوَ معرفَة الْجَمَاعَة، وَحكم الْفرْقَة [4] والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض [5] وَغير ذَلِك.
  فَنَقُول هَذَا الْبَاب أَصله الْمحرم فِيهِ من الْبَغي، [6] فَإِن الْإِنْسَان ظلوم جهول ، قَالَ تَعَالَى (كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات بغيا بَينهم) [سُورَة الْبَقَرَة 213] فِي غير مَوضِع [7].

وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (لتسلكن سنَن من قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه قَالُوا يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ فَمن)[8].

وَقد قَالَ تَعَالَى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم) [سُورَة آل عمرَان 105]
وَقَالَ تَعَالَى (إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شئ) [سُورَة الْأَنْعَام 159]
وَمن هَذَا الْبَاب مَا هُوَ من بَاب التَّأْوِيل وَالِاجْتِهَاد [9] الَّذِي يكون الْإِنْسَان مستفرغا فِيهِ وَسعه علما وَعَملا.

ثمَّ الْإِنْسَان قد يبلغ ذَلِك [10] وَلَا يعرف الْحق فِي الْمسَائِل الخبرية الاعتقادية، وَفِي الْمسَائِل العملية الاقتصادية، وَالله سُبْحَانَهُ قد تجَاوز لهَذِهِ الْأمة عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان بقوله تَعَالَى (رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا) [سُورَة الْبَقَرَة 286]
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَمن حَدِيث أَبى هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله اسْتَجَابَ لَهُم هَذَا الدُّعَاء وَقَالَ (قد فعلت)[11] وَأَنَّهُمْ لم يقرأو بِحرف مِنْهَا إِلَّا أَعْطوهُ ، وَهَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى (وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة) [سُورَة الْبَقَرَة 82].

وَقَوله دَلِيل على ان الله لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا ، لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت وَغير ذَلِك دَلِيل على أَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا.

والوسع هُوَ مَا تسعه النَّفس فَلَا تضيق عَنهُ وَلَا تعجز عَنهُ، فالوسع فعل بِمَعْنى مفعول كالجهد ،وَهَذَا أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى (مَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج) [سُورَة الْحَج 78] وَقَوله (يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر) [سُورَة الْبَقَرَة 185] وَقَوله (مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج)  [سُورَة الْمَائِدَة 6] والحرج الضّيق فَهُوَ نفى أَن يكون عَلَيْهِم ضيق أَي مَا يضيق عَنْهُم، كَمَا أخبر أَنه لَا يُكَلف النَّفس إِلَّا مَا تسعه، فَلَا بُد أَن يكون الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم مِمَّا تسعه النَّفس حَتَّى يقدر الْإِنْسَان على فعله وَلَا بُد أَن يكون الْمُبَاح مِمَّا يسع الْإِنْسَان، وَلَا يضيق عَنهُ حَتَّى يكون الإنسان مَا يسع الْإِنْسَان وَيحمل الْإِنْسَان وَلَا يضيق عَنهُ من الْمُبَاح ، وليتدبر الْفرق [12] بَين مَا يَسعهُ الْإِنْسَان وَهُوَ الوسع الَّذِي قيل فِيهِ (لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا) [سُورَة الْبَقَرَة 286] وَبَين مَا يسع الْإِنْسَان فَلَا يكون حرجا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِمَّا لَا بُد للْإنْسَان مِنْهُ من الْمُبَاحَات وَهَذَا يكون فِي صفة فعل الْمَأْمُور بِهِ كَمَا فِي الْوضُوء وَالصَّلَاة فَلَا بُد ان يكون المجزئ لَهُ من ذَلِك مَا يسع الْإِنْسَان، وَالْوَاجِب عَلَيْهِ مَا يَسعهُ الْإِنْسَان وَيكون فِي بَاب الْحَلَال وَالْحرَام فَلَا يحرم عَلَيْهِ مَا لَا يسع هُوَ تَركه بِحَيْثُ يبْقى الْمُبَاح لَهُ ضيقا مِنْهُ لَا يَسعهُ ،وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن للقلوب قدرَة فِي بَاب الْعلم والاعتقاد العلمى وَفِي بَاب الْإِرَادَة وَالْقَصْد وَفِي الْحَرَكَة الْبَدَنِيَّة أَيْضا [13] .

فالخطأ وَالنِّسْيَان هُوَ من بَاب الْعلم يكون إِمَّا مَعَ تعذر الْعلم عَلَيْهِ [14]
، أَو تعسره عَلَيْهِ وَالله قد قَالَ (مَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج) [سُورَة الْحَج 78] وَقَالَ (يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر) [سُورَة الْبَقَرَة 185]
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ لِمعَاذ وأبى مُوسَى لما أرسلها إِلَى الْيمن (يسرا وَلَا تعسرا وبشرا وَلَا تنفرا وطاوعا وَلَا تختلفا) [15].

وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا عجز الْإِنْسَان عَن عمله [16] واعتقاده حَتَّى يعْتَقد وَيَقُول ضِدّه خطأ أَو نِسْيَانا فَذَلِك مغْفُور لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر) [17]  وَهَذَا يكون فِيمَا هُوَ من بَاب الْقيَاس وَالنَّظَر بعقله ورأيه وَيكون فِيمَا هُوَ من بَاب النَّقْل وَالْخَبَر الَّذِي يَنَالهُ بسمعه وفهمه وعقله وَيكون فِيمَا هُوَ من بَاب الإحساس وَالْبَصَر الَّذِي يجده ويناله بِنَفسِهِ [18]
فَهَذِهِ المدارك الثَّلَاثَة قد يحصل للشَّخْص بهَا علم يقطع بِهِ وَيكون ضَرُورِيًّا فِي حَقه مثل مَا يجده فِي نَفسه من الْعُلُوم الضرورية وَمثل مَا سَمعه من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من المخبرين لَهُ الصَّادِقين خَبرا يفِيدهُ الْعلم كالخبر الْمُتَوَاتر الَّذِي يفِيدهُ الْعلم تَارَة بِكَثْرَة عدد المخبرين وَتارَة بصفاتهم وَتارَة بهما وَغير ذَلِك مِمَّا يُفِيد الْعلم.

وَقد يكون مِمَّا علمه بآثاره الدَّالَّة عَلَيْهِ، أَو بِحكم نظره  [19] المساوى لَهُ من كل وَجه، أَوْ الَّذِي يدل على الآخر بطرِيق الأولى والتنبيه وَنَحْو ذَلِك. وَمَعَ هَذَا فَتكون هَذِه الْعُلُوم عِنْد غَيره متيقنة مَعَ اجْتِهَاده [20] لدقة الْعُلُوم أَو خفائها، أَو لوُجُود مَا يعْتَقد المعتقد أَنه يُعَارض وَلَا يكون مُعَارضا فِي الْحَقِيقَة فيشتبه بالمعارض، لاشتباه الْمعَارض، لاشتباه الْمعَانِي اَوْ لاشتراك الْأَلْفَاظ [21].

فَهَذَا من أعظم أَسبَاب اخْتِلَاف بني آدم من الْمُؤمنِينَ وَغَيرهم، [22] وَلِهَذَا نجد فِي الْمُخْتَلِفين كل طَائِفَة تدعى الْعلم الضَّرُورِيّ فَمَا يَقُوله إِمَّا من جِهَة الْقيَاس وَالنَّظَر وَإِمَّا من جِهَة السماع وَالْخَبَر وَإِمَّا من جِهَة الإحساس وَالْبَصَر وَلَا تكون وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ كَاذِبَة بل صَادِقَة [23] لَكِن يكون قد أَدخل مَعَ الْحق مَا لَيْسَ مِنْهُ فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات لاشتباه الْمعَانِي واشتراك الْأَلْفَاظ فَيكون حِينَئِذٍ مَا يَنْفِيه هَذَا يُثبتهُ الآخر وَلَو زَالَ الِاشْتِبَاه والاشتراك زَالَ الْخلاف التضادى وَكَانَ اخْتِلَاف النَّاس فِي مسَائِل الْجَبْر وَالْقدر ومسائل نفي الْجِسْم وإثباته وَنفى مُوجب الْأَخْبَار وَإِثْبَات ذَلِك هُوَ من هَذَا الْبَاب وَهَذَا كُله مَوْجُود فِي كتب أهل الْكَلَام وَأهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَغير ذَلِك.
وَقَول الْقَائِل: إِن الضروريات يجب اشْتِرَاك الْعُقَلَاء فِيهَا، خطأ بل الضروريات كالنظريات، تَارَة يشتركون فِيهَا، وَتارَة يخْتَص بهَا من جعل لَهُ قُوَّة على إِدْرَاكهَا [24].

وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِلين: إِن الطَّائِفَة الَّتِي تبلغ عدد التَّوَاتُر لَا يتفقون على جحد الضروريات لَيْسَ بصواب بل يتفقون على ذَلِك إِذا تواطأوا عَلَيْهَا. وَخبر التَّوَاتُر مَتى كَانَ عَن تواطؤ لم يفد الْعلم، وَإِنَّمَا يُفِيد الْعلم لانْتِفَاء التواطؤ فِيهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد يكون المختلفون قد اجْتهد أحدهم فَأصَاب وَيكون الآخر اجْتهد فَأَخْطَأَ فَيكون للْأولِ أَجْرَانِ وَللثَّانِي أجر مَعَ أَن خطأه مغْفُور لَهُ وَقد يكون كِلَاهُمَا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَيغْفر لَهما جَمِيعًا مَعَ وجود الْأجر، وَيكون الصَّوَاب فِي قَوْلنَا ثَالِثا أما تَفْصِيل مَا أَطْلقُوهُ، مثل أَن ينفى هَذَا نفيا عَاما وَيثبت الآخر مَا نَفَاهُ الأول فيفصل الْمفصِّل [25] وَيثبت الْبَعْض دون الْبَعْض وَكَذَلِكَ فِي الْمَعْنى المشتبه وَاللَّفْظ الْمُشْتَرك يفصل بَين الْمَعْنى وَمَا يُشبههُ إِذا كَانَ مُخَالفا لَهُ وَبَين معنى لفظ وَمعنى لفظ.
ثمَّ إِنَّه من مسَائِل الْخلاف مَا يتَضَمَّن أَن اعْتِقَاد أَحدهمَا يُوجب عَلَيْهِ بغض الآخر ولعنه أَو تفسيقه أَو تكفيره أَو قِتَاله فَإِذا فعل ذَلِك مُجْتَهدا مخطئا كَانَ خَطؤُهُ مغفورا لَهُ وَكَانَ ذَلِك فِي حق الآخر محنة فِي حَقه وفتنة وبلاء ابتلاه بِهِ [26].

وَهَذِه حَال الْبُغَاة المتأولين مَعَ أهل الْعدْل [27] سَوَاء كَانَ ذَلِك بَين أهل الْيَد والقتال من الْأُمَرَاء وَنَحْوهم أَو بَين أهل اللِّسَان وَالْعَمَل من الْعلمَاء والعباد وَنَحْوهم وَبَين من يجمع الْأَمريْنِ.
وَلَكِن الِاجْتِهَاد السائغ لَا يبلغ مبلغ الْفِتْنَة والفرقة إِلَّا مَعَ البغى لَا لمُجَرّد الِاجْتِهَاد
، كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم) [سُورَة آل عمرَان 19] وَقَالَ (إِن الذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شئ) [سُورَة الْأَنْعَام 159] وَقَالَ (ولاتكونوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات) [سُورَة آل عمرَان 105].

فَلَا يكون فتْنَة وَفرْقَة مَعَ وجود الِاجْتِهَاد السائغ بل مَعَ نوع بغى [28] وَلِهَذَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَكَانَ ذَلِك من أصُول السّنة [29] وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة والْحَدِيث وأئمة أهل الْمَدِينَة من فقهائهم وَغَيرهم.

وَمن الْفُقَهَاء [30] من ذهب إِلَى أَن ذَلِك يكون مَعَ وجود الْعلم التَّام من أَحدهمَا والبغى من الآخر، فَيجب الْقِتَال مَعَ الْعَادِل حِينَئِذٍ وعَلى هَذَا الْفِتْنَة الْكُبْرَى بَين أهل الشَّام وَالْعراق: [31] هَل كَانَ الأصوب حَال القاعدين أَو حَال المقاتلين من أهل الْعرَاق والنصوص دلّت على الأول، وَقَالُوا: كَانَ ترك قتال أهل الْعرَاق أصوب، وَإِن كَانُوا أقرب إِلَى الْحق وَأولى بِهِ من أهل الشَّام إِذْ ذَاك كَمَا بسطنا الْكَلَام فِي هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع وتكلمنا على الْآيَات والاحاديث فِي ذَلِك.
وَمن أصُول [32] هَذَا الْموضع أَن مُجَرّد وجود البغى من إِمَام أَو طَائِفَة لَا يُوجب قِتَالهمْ ، بل لَا يبيحه بل من الْأُصُول [33] الَّتِي دلّت عَلَيْهَا النُّصُوص أَن الإِمَام الجائر الظَّالِم يُؤمر النَّاس بِالصبرِ على جوره وظلمه وبغيه وَلَا يقاتلونه كَمَا أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك فِي غير حَدِيث فَلم يَأْذَن فِي دفع الْبَغي مُطلقًا بِالْقِتَالِ بل إِذا كَانَت فِيهِ فتْنَة نهى عَن دفع الْبَغي بِهِ وَأمر بِالصبرِ[34].

وَأما قَوْله سُبْحَانَهُ (فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغى) [سُورَة الحجرات 9] فَهُوَ سُبْحَانَهُ قد بَين مُرَاده وَلَكِن من النَّاس من يضع الْآيَة على غير موضعهَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغى حَتَّى تفئ إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين) [سُورَة الحجرات 9] فَهُوَ لم يَأْذَن ابْتِدَاء فِي قتال بَين الْمُؤمنِينَ، بل إِذا اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا، والاقتتال هُوَ فتْنَة وَقد تكون إِحْدَاهمَا أقرب إِلَى الْحق ،فَأمر سُبْحَانَهُ فِي ذَلِك بالإصلاح.

وَكَذَلِكَ فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما اقتتل بَنو عَمْرو بن عَوْف فَخرج ليصلح بَينهم وَقَالَ لِبلَال (إِن حضرت الصَّلَاة فَقدم أبا بكر) [35].
ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ (فَقَاتلُوا الَّتِي تبغى حَتَّى تفئ إِلَى أَمر الله) [سُورَة الحجرات 9] فَهُوَ بعد اقتتالهم إِذا أصلح بَينهم بِالْقِسْطِ فَلم تقبل إِحْدَاهمَا الْقسْط بل بَغت فَإِنَّهَا تقَاتل لِأَن قتالها هُنَا يدْفع بِهِ الْقِتَال الَّذِي هُوَ أعظم مِنْهُ فَإِنَّهَا اذا لم تقَاتل حَتَّى تفئ إِلَى أَمر الله بل تركت حَتَّى تقتتل هِيَ وَالْأُخْرَى كَانَ الْفساد فِي ذَلِك أعظم.

والشريعة مبناها على دفع الفسادين بِالْتِزَام أدناهما[36]، وَفِي مثل هَذَا يُقَاتلُون حَتَّى لَا يكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله لِأَنَّهُ إِذا أمروا بالصلاح والكف عَن الْفِتْنَة فبغت إِحْدَاهمَا قوتلت حَتَّى لَا تكون فتْنَة والمأمور بِالْقِتَالِ هُوَ غير المبغى عَلَيْهِ أَمر بِأَن يُقَاتل الباغية حَتَّى ترجع إِلَى الدّين فقاتلها [37] من بَاب الْجِهَاد وإعانة الْمَظْلُوم المبغى عَلَيْهِ.
أما إِذا وَقع بغى ابْتِدَاء بِغَيْر قتال مثل أَخذ مَال أَو مثل رئاسة بظُلْم فَلم يَأْذَن الله فِي اقتتال طائفتين من الْمُؤمنِينَ على مُجَرّد ذَلِك لِأَن الْفساد فِي الاقتتال فِي مُجَرّد رئاسة أَو أَخذ مَال فِيهِ نوع ظلم.
فَلهَذَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قتال الْأَئِمَّة إِذا كَانَ فيهم ظلم لِأَن قِتَالهمْ فِيهِ فَسَاد أعظم من فَسَاد ظلمهم.


وعَلى هَذَا فَمَا ورد فِي صَحِيح البخارى من حَدِيث أم سَلمَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك، لَيْسَ هُوَ مُخَالفا لما تَوَاتر عَنهُ من أَنه أَمر بالإمساك عَن الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَنه جعل الْقَاعِد فِيهَا خيرا من الْقَائِم، والقائم خيرا من الماشى والماشى خيرا من الساعى [38]
وَقَالَ (يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) [39] وَأمر فِيهَا بِأَن يلْحق الْإِنْسَان بإبله وبقره وغنمه لِأَن وَصفه تِلْكَ الطَّائِفَة بالبغى هُوَ كَمَا وصف بِهِ من وصف من الْوُلَاة بالأثرة وَالظُّلم.

كَقَوْلِه (سَتَلْقَوْنَ بعدِي أَثَرَة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي على الْحَوْض) [40].
وَقَوله صلى الله عليه وسلم (سَتَكُون بعدِي أَثَرَة وَأُمُور تنكرونها) قَالُوا :فَمَا تَأْمُرنَا يَا رَسُول الله قَالَ (أَدّوا إِلَيْهِم حَقهم وسلوا الله حقكم)[41] وأمثال ذَلِك من الأحايث الصِّحَاح.
فَأمر مَعَ ذكره لظلمهم بِالصبرِ وَإِعْطَاء حُقُوقهم وَطلب الْمَظْلُوم حَقه من الله ، وَلم يَأْذَن للمظلوم المبغى عَلَيْهِ بِقِتَال الْبَاغِي فِي مثل هَذِه الصُّور الَّتِي يكون الْقِتَال فِيهَا فتْنَة كَمَا أذن فِي دفع الصَّائِل بِالْقِتَالِ حَيْثُ قَالَ (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد) [42] فَإِن قتال اللُّصُوص لَيْسَ قتال فتْنَة، إِذْ النَّاس كلهم أعوان على ذَلِك فَلَيْسَ فِيهِ ضَرَر عَام على غير الظَّالِم بِخِلَاف قتال وُلَاة الْأُمُور فَإِن فِيهِ فتْنَة وشرا عَاما أعظم من ظلمهم فالمشروع فِيهِ الصَّبْر.

وَإِذا وصف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَائِفَة بِأَنَّهَا باغية ، سَوَاء كَانَ ذَلِك بِتَأْوِيل أَو بِغَيْر تَأْوِيل لم يكن مُجَرّد ذَلِك مُوجبا لقتالها وَلَا مبيحا لذَلِك إِذْ كَانَ قتال فتْنَة.

فَتدبر هَذَا فَإِنَّهُ مَوضِع عَظِيم يظْهر فِيهِ الْجمع بَين النُّصُوص وَلِأَنَّهُ الْموضع الَّذِي اخْتلف فِيهِ اجْتِهَاد عُلَمَاء الْمُؤمنِينَ قَدِيما وحديثا ،حَيْثُ رأى قوم قتال هَؤُلَاءِ مَعَ من هُوَ أولى بِالْحَقِّ مِنْهُم وَرَأى آخَرُونَ ترك الْقِتَال إِذا كَانَ الْقِتَال فِيهِ من الشَّرّ أعظم من ترك الْقِتَال كَمَا كَانَ الْوَاقِع فَإِن أُولَئِكَ كَانُوا لَا يبدأون الْبُغَاة بِقِتَال حَتَّى يجعلوهم صائلين عَلَيْهِم وَإِنَّمَا يكون ذنبهم ترك وَاجِب مثل الِامْتِنَاع من طَاعَة معِين وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَة فَهَذِهِ الْفرْقَة إِذا كَانَت باغية وَفِي قِتَالهمْ من الشَّرّ كَمَا وَقع أعظم من مُجَرّد الِاقْتِصَار على ذَلِك كَانَ الْقِتَال فتْنَة، وَكَانَ تَركه هُوَ الْمَشْرُوع وَإِن كَانَ الْمقَاتل أولى بِالْحَقِّ وَهُوَ مُجْتَهد.
وَعَامة مَا تنازعت فِيهِ فرقة الْمُؤمنِينَ من مسَائِل الْأُصُول وَغَيرهَا فِي بَاب الصِّفَات وَالْقدر والإمامة وَغير ذَلِك هُوَ من هَذَا الْبَاب فِيهِ الْمُجْتَهد الْمُصِيب وَفِيه الْمُجْتَهد الْمُخطئ وَيكون الْمُخطئ بَاغِيا وَفِيه الْبَاغِي من غير اجْتِهَاد وَفِيه المقصر فِيمَا أَمر بِهِ من الصَّبْر[43].

وكل مَا أوجب فتْنَة وَفرْقَة فَلَيْسَ من الدّين [44] سَوَاء كَانَ قولا أَوْ فعلا وَلَكِن الْمُصِيب الْعَادِل عَلَيْهِ أَن يصبر عَن الْفِتْنَة ويصبر على جهل الجهول وظلمه إِن كَانَ غير متأول وَأما إِن كَانَ ذَاك أَيْضا متأولا فخطؤه مغْفُور لَهُ وَهُوَ فِيمَا يُصِيب بِهِ من أَذَى بقوله أَو فعله لَهُ أجر على اجْتِهَاده وخطؤه مغْفُور لَهُ وَذَلِكَ محنة وابتلاء فِي حق ذَلِك الْمَظْلُوم [45]، فَإِذا صَبر على ذَلِك وَاتَّقَى الله كَانَت الْعَاقِبَة لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا [سُورَة آل عمرَان 120]
وَقَالَ تَعَالَى (لتبلوُنَّ فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور) [سُورَة آل عمرَان 186]
فَأمر سُبْحَانَهُ بِالصبرِ على أَذَى الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعَ التَّقْوَى وَذَلِكَ تَنْبِيه على الصَّبْر على أَذَى الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض متأولين كَانُوا أَو غير متأولين.

وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ (وَلَا يجرمنكم شنئان قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى) [سُورَة الْمَائِدَة 8] فَنهى أَن يحمل الْمُؤمنِينَ بغضهم للْكفَّار على أَلا يعدلُوا عَلَيْهِم فَكيف إِذا كَانَ البغض لفَاسِق أَو مُبْتَدع متأول من أهل الْإِيمَان فَهُوَ أولى أَن يجب عَلَيْهِ أَلا يحملهُ ذَلِك على أَلا يعدل على مُؤمن وَإِن كَانَ ظَالِما لَهُ [46].
فَهَذَا مَوضِع عَظِيم الْمَنْفَعَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا [47] فَإِن الشَّيْطَان مُوكل ببني آدم وَهُوَ يعرض للْجَمِيع [48] ولايسلم أحد من مثل هَذِه الْأُمُور دع ماسواها من نوع تَقْصِير فِي مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور بِاجْتِهَاد أَو غير اجْتِهَاد وَإِن كَانَ هُوَ الْحق.

وَقَالَ سُبْحَانَهُ لنَبيه (فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك وَسبح بِحَمْد رَبك بالعشى وَالْإِبْكَار) [سُورَة غَافِر 55] فَأمره بِالصبرِ وَأخْبرهُ أَن وعد الله حق وَأمره أَن يسْتَغْفر لذنبه وَلَا تقع فتْنَة إِلَّا من ترك مَا أَمر الله بِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمر بِالْحَقِّ وَأمر بِالصبرِ فالفتنة إِمَّا من ترك الْحق وَإِمَّا من ترك الصَّبْر [49].

فالمظلوم المحق الَّذِي لَا يقصر فِي علمه يُؤمر بِالصبرِ فَإِذا لم يصبر فقد ترك الْمَأْمُور.
وَإِن كَانَ مُجْتَهدا فِي معرفَة الْحق وَلم يصبر فَلَيْسَ هَذَا بِوَجْه الْحق مُطلقًا لَكِن هَذَا وَجه نوع حق فِيمَا أَصَابَهُ فَيَنْبَغِي أَن يصبر عَلَيْهِ [50].

وَإِن كَانَ مقصرا فِي معرفَة الْحق فَصَارَت ثَلَاثَة ذنُوب أَنه لم يجْتَهد فِي معرفَة الْحق وَأَنه لم يصبهُ وَأَنه لم يصبر [51
].
وَقد يكون مصيبا فِيمَا عرفه من الْحق فِيمَا يتَعَلَّق بِنَفسِهِ وَلم يكن مصيبا فِي معرفَة حكم الله فِي غَيره [52]، وَذَلِكَ بِأَن يكون قد علم الْحق فِي أصل يخْتَلف فِيهِ بِسَمَاع وَخبر أَو بِقِيَاس وَنظر أَو بِمَعْرِِفَة وبصر ويظن مَعَ ذَلِك أَن ذَلِك الْغَيْر التارك للإقرار بذلك الْحق عَاص أَو فَاسق أَو كَافِر وَلَا يكون الْأَمر كَذَلِك [53] لِأَن ذَلِك الْغَيْر يكون مُجْتَهدا قد استفرغ وَسعه وَلَا يقدر على معرفَة الأول لعدم الْمُقْتَضى وَوُجُود الْمَانِع
وَأُمُور الْقُلُوب لَهَا أَسبَاب كَثِيرَة وَلَا يعرف كل أَحد حَال غَيره من إيذاء لَهُ بقول أَو فعل قد يحْسب المؤذى إِذا كَانَ مَظْلُوما لَا ريب فِيهِ أَن ذَلِك المؤذى مَحْض بَاغ عَلَيْهِ ويحسب أَنه يدْفع ظلمه بِكُل مُمكن. وَيكون مخطئا فِي هذَيْن الْأَصْلَيْنِ [54] إِذْ قد يكون المؤذى متأولا مخطئا وَإِن كَانَ ظَالِما لَا تَأْوِيل لَهُ فَلَا يحل دفع ظلمه بِمَا فِيهِ فتْنَة بَين الْأمة وَبِمَا فِيهِ شَرّ أعظم من ظلمه بل يِؤمر الْمَظْلُوم هَا هُنَا بِالصبرِ فَإِن ذَلِك فِي حَقه محنة وفتنة [55].

وَإِنَّمَا يَقع الْمَظْلُوم فِي هَذَا لجزعه وَضعف صبره أَو لقلَّة علمه وَضعف رَأْيه [56] فَإِنَّهُ قد يحجب أَن الْقِتَال وَنَحْوه من الْفِتَن يدْفع الظُّلم عَنهُ وَلَا يعلم أَنه يُضَاعف الشَّرّ كَمَا هُوَ الْوَاقِع وَقد يكون جزعه يمنعهُ من الصَّبْر.

وَالله سُبْحَانَهُ وصف الْأَئِمَّة بِالصبرِ وَالْيَقِين [57]  ،فَقَالَ (وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون) [سُورَة السَّجْدَة 24] وَقَالَ (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ) [سُورَة الْعَصْر 3]
وَذَلِكَ أَن الْمَظْلُوم وَإِن كَانَ مَأْذُونا لَهُ فِي دفع الظُّلم عَنهُ بقوله تَعَالَى وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل [سُورَة الشورى 41] فَذَلِك مَشْرُوط بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا الْقُدْرَة على ذَلِك
وَالثَّانِي أَلا يعتدى [58]
فَإِذا كَانَ عَاجِزا أَو كَانَ الِانْتِصَار يفضى إِلَى عدوان زَائِد لم يجز وَهَذَا هُوَ أصل النهى [انتبه إلى هذا الأصل . أصل النهي عن الفتنة كون انتصار المظلوم لرد الظلم عنه يكون فيه اعتداء.] عَن الْفِتْنَة فَكَانَ إِذا كَانَ الْمُنْتَصر عَاجِزا وانتصاره فِيهِ عدوان فَهَذَا هذا.

وَمَعَ ذَلِك فَيجب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِحَسب إِظْهَار السّنة والشريعة وَالنَّهْي عَن الْبِدْعَة والضلالة بِحَسب الْإِمْكَان
، كَمَا دلّ على وجوب ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة [59]
وَكثير من النَّاس قد يرى تعَارض الشَّرِيعَة فِي ذَلِك فَيرى أَن الْأَمر وَالنَّهْي لَا يقوم إِلَّا بفتنة فإمَّا أَن يُؤمر بهما جَمِيعًا أَو ينْهَى عَنْهُمَا جَمِيعًا وَلَيْسَ كَذَلِك بل يُؤمر وَينْهى ويصبر عَن الْفِتْنَة كَمَا قَالَ تَعَالَى( وَامر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَنهُ الْمُنكر واصبر على مَا أَصَابَك) [سُورَة لُقْمَان 17]
وَقَالَ عبَادَة بَايعنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على السّمع وَالطَّاعَة فِي عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وَألا ننازع الْأَمر أَهله وَأَن نقوم أَو نقُول بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم فَأَمرهمْ بِالطَّاعَةِ ونهاهم عَن مُنَازعَة الْأَمر أَهله وَأمرهمْ بِالْقيامِ بِالْحَقِّ [60].

وَلأَجل مَا يظنّ من تعَارض هذَيْن [61] تعرض الْحيرَة فِي ذَلِك لطوائف من النَّاس والحائر الَّذِي لَا يدْرِي لعدم ظُهُور الْحق وتميز الْمَفْعُول من الْمَتْرُوك مَا يفعل إِمَّا لخفاء الْحق عَلَيْهِ أَو لخفاء مَا يُنَاسب هَوَاهُ عَلَيْهِ [62]
والبدعة مقرونة بالفرقة كَمَا أن السّنة مقرونة بِالْجَمَاعَة فَيُقَال أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَمَا يُقَال أهل الْبِدْعَة والفرقة وَقد بسطنا هَذَا كُله فِي غير هَذَا الْموضع.

وَإِنَّمَا الْمَقْصُود هُنَا التَّنْبِيه على وَجه تلازمهما مُوالَاة المفترقين وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا فِيهِ بِدعَة وَفرْقَة أَو كَانُوا مُؤمنين فيوالون بإيمَانهمْ وَيتْرك مَا لَيْسَ من الْإِيمَان من بِدعَة وَفرْقَة فَإِن الْبِدْعَة مَا لم يشرعه الله من الدّين (فَكل من دَان بشئ لم يشرعه الله فَذَاك بِدعَة) [63] وَإِن كَانَ متأولا فِيهِ [64]
وَهَذَا مَوْجُود من جَمِيع أهل التَّأْوِيل المفترقين من الْأَوَّلين والآخرين  فَإِنَّهُم إِذا رَأَوْا مَا فعلوا مَأْمُورا بِهِ وَلم يكن كَذَلِك [65] فَلَيْسَ مَا فَعَلُوهُ سنة بل هُوَ بِدعَة متأولة مُجْتَهَد فِيهَا من الْمُنَافِقين [66] سَوَاء كَانَت فِي الدُّنْيَا أَو فِي الدّين
كَمَا قَالَ تَعَالَى (لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم) [سُورَة التَّوْبَة 47] وَقَالَ (فَأَمّا الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله) [سُورَة آل عمرَان 7]
وتجد أَئِمَّة أهل الْعلم من أهل الْبِدْعَة والفرقة من أهل الْإِيمَان والنفاق يصنفون لأهل السَّيْف وَالْمَال من الْمُلُوك والوزراء فِي ذَلِك ويتقربون إِلَيْهِم بالتصنيف فِيمَا يوافقهم كَمَا صنف كتاب تَحْلِيل النَّبِيذ لبَعض الْأُمَرَاء وَهُوَ الكرخى وَقد صنف الجاحظ قبله كتابا لَكِن أَظُنهُ مُطلقًا وكما صنف ابْن فورك كتابا فِي مَذْهَب ابْن كلاب الرئيسي وكما صنف أَبُو المعالى "النظامية" و"الغياثى" لنظام الْملك وكما صنف الرَّازِيّ كتاب الملخص فِي الفلسفة.
لوزير وقته زُهَيْر وكتابا فِي أَحْكَام النُّجُوم لملك وقته عَلَاء الدّين وكتابا فِي السحر وَعبادَة الْأَوْثَان لأم الْملك.

وكما صنف السهروردي الحلبى الْمَقْتُول "الألواح الْعمادِيَّة" فِي المبدأ والمعاد لعماد الدّين قره أرسلان بن دَاوُد وَقَالَ فِيهِ "لما تَوَاتَرَتْ لَدَى مكاتبات الْملك فلَان وَقد أَمرنِي بتحرير عجالة شَدِيدَة الإيجاز بَيِّنَة الإعجاز تَتَضَمَّن مَا لابد من مَعْرفَته فِي المبدأ والمعاد على مَا يرَاهُ من متأهلة وأساطين الْفُضَلَاء فبادرت إِلَى امْتِثَال مرسومه وَتَحْصِيل مَطْلُوبه وَكنت قد صادفت مختصرات صنفها بعض الْمُتَأَخِّرين لأمراء زمانهم وملوك أزمانهم وَسمعت أَنَّهَا مَا انتفعوا بهَا لأَنهم عدلوا عَن مصلحَة التَّعْلِيم وَطَرِيق التفهيم وَمَا غيروا شَيْئا من الاصطلاحات الغامضة المأخذ ففوتوا الرِّعَايَة لفائدة جزئية لَا مصلحَة كُلية".
 وكما صنف صَاحب دَعْوَة الْبَلَاغ الْأَكْبَر والناموس الْأَعْظَم
 
  
{الخاتمة}
هذا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في بيان هذا الأصل العظيم ، بل كما قال -رحمه الله – هو من أعظم أصول الإسلام والذي هو معرفة الجماعة وحكم الفُرقة والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض ، وبيان حقيقة ما يقع عند اختلاف المؤمنين في الأقوال والأعمال في الأصول والفروع.
لقد أصل الشيخ رحمه الله في هذا المبحث وفصّل ، وفرّع على تأصيله فجمع بين النصوص وأوصل ، فمن قرأ كلامه وتمعّنه درى وحصّل ، وظهر له الحق فلزمه وعن الباطل تنصّل ، فاطلب الحق من منبعه فهو بالكتاب والسنة موَصَّل، ومن خالف سواء تأوّل أو لم يتأوّل ، فواجب الأمر والنهي لابد من القيام به فلا يسقط ولا يتحوّل ، ولكن لا يلزم منه أن تقع الفتنة والفرقة بين المصيب والمتأوِّل ، وعندها فالصبر هو المعوَّل ، واحذر أن يقع منك أنت البغي فتكون في الفتنة والفرقة أنت الأول، واعلم أن الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين فاجعل نفسك أنت المؤمّل. وأما دفع الظلم عن النفس فهو حق عليه النص المدلّل ، لكن له شرطان :الأول: القدرة على ذلك ، والثاني: ألا يتعدّى  {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }الشورى43 .

نسأل الله تعالى الإصابة في المأمور ، والقيام بالأمر والنهي في سائر الأمور، مع سلامة الصدور ، وعفّة اللسان عن الكَلِم المحظور ، وعن الرمي بألقاب دافعها إصلاح الخطأ ولكن معها شيء في النفس مضمور، فيترتب على ذلك بناءً على ما في أصل الإنسان فهو ظلوم جهول – مالا يستهان به من الشرور، فنرجو رحمة ومغفرة الرحيم الغفور.

هنا نهاية هذا الكلام المزبور ، وخاتمة المقال لهذا الشهر المشهور .
 وتمَّ رقم آخر كلمات هذه السطور ليلة الثلاثاء سائلين الله تعالى (بـ)ـركة الـ(بـ)ـكور ، (و)(غـ)ـنم السحور،و(تـ)ـمام ا(لـ)مـنة من الرحيم الغفور والحمد لله تعالى الحليم الشكور. [68]

******************************************
[1]تفسير القران العظيم للحافظ ابن كثير 5/135 ط دار طيبة تحقيق سامي محمد سلامة
[2]جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، للإمام ابن جرير الطبري 5/217 ط دار ابن حزم
[3]1/24-47
[4]هذا أصل مهم يجب معرفته
[5]هذا ما تترتب على الفرقة والاختلاف
[6]أي مما يكون في هذا الباب –وهو الاختلاف والفرقة- الاعتداء والبغي ، فمن ولج هذا الباب فلينتبه لهذا المحذور ، وذلك لما في أصل الإنسان من هاتين الصفتين، الظلم والجهل، فالجهل يحمله على عدم العلم بالشيء حقيقة العلم، فيخطئ في الفعل والقول. والظلم يحمله على البغي والاعتداء على غيره بغير حق.
[7]فهؤلاء وقع فيهم الاختلاف والتفرق، مع وجوب الكتاب فيهم، وذلك لوجود البغي بينهم
[8]الحديث بنحوه رواه البخاري 3456 ومسلم 2669 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
[9]أي المجتهد قد يُعمل وسعه ومع ذلك يقع في نوع تأويل.
[10]أي يبذل وسعه علما وعملا فيجتهد ولا يصيب الحق ، ومادام كذلك فالله يتجاوز عنه.
[11]رواه مسلم 126 ، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
[12]انتبه لهذا الفرق فالأول متعلق بالقدرة ، فالتكليف إنما يكون بما للإنسان عليه قدرة واستطاعة، وأما الثاني فهو مما يتعلق بالمباح وهو ما للإنسان فيه سعة في أن يفعل أو أن يترك.
[13]والمعنى أن القلب له قدره في هذه الأبواب الثلاثة –العلم والاعتقاد العلمي وهي: المسائل العلمية التي هي محل بحث ودراسة وتنقيب واستدلال ، وباب الإرادة والقصد وهو الإخلاص، وباب الحركة البدنية وهو العمل وما يتبعه فهذه للقلب- أثر فيها وفي نتائجها.
[14]هذان هما من أسباب الخطأ والنسيان فمن تعذر عليه علمه به ، أو عجز عنه فخطؤه مغفور له.
[15]رواه البخاري 3038، ومسلم 1733 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
[16]قلت: كذا في المطبوع ولم يعلق الشيخ الدكتور محمد رشاد سالم عليها بشيء ، ولعل العبارة الصحيحة (عن علمه) .
[17]أصله بنحوه في البخاري 7352 ومسلم  1716 عن عمرو بن العاص رضي الله عنه بنحوه .
[18]أي إدراك الأمور  المعلومة يكون بالقياس والنظر والعقل والرأي ، ويكون بالنقل والخبر الذي يؤخذ بالسمع والفهم والعقل، ويكون بالإحساس.
[19]كذا في المطبوع ولم يعلق الدكتور محمد رشاد  سالم بشيء ولعل الصواب (نظيره) بدليل قوله (المتساوي من كل وجه) .
[20]لم يعلق الدكتور محمد رشاد سالم على هذا بشيء ولعل صواب العبارة بالنظر لما سبق (فتكون هذه العلوم عند غيره غير متيقنة مع اجتهاده لدقة العلوم أو خفائها ) هذا الذي يظهر بالنظر لما سبق فقد ذكر أنه هناك من يحصل له علم يقطع به ويكون ضروريا في حقه ، فناسب أن يكون مقابله: من لم يحصل له اليقين بذلك ، والله أعلم .
[21]ما يتحصل بهذه المدارك الثلاثة قد يدرك بعضهم بها العلم اليقيني والضروري وقد يكون عند غيره، وقد لا يكون كذلك عند غيره.
[22]أسباب اختلاف بني آدم.
[23]هذه كلمة جميلة ماتعة  نافعة، فيا سلام ما أحلاها وما ألذها في النفس ، نعم كل من الطائفتين ليس كاذبا ، بل هو صادق لكن انتبه إلى ما سبق وهو كونها اعملت جهدها –وهي به أهل- للوصول إلى الحق ، فطلبت الحق والهدى من طريقه ، لكن قد يتضح لها غاية الإيضاح ، وقد تميل عنه إلى قول غير صواب ، وانتبه كذلك إلى ما سيأتي.
[24]قد يختص بالضروريات بعض دون بعض ، فقد يكون الضروري نسبيا كما ذكر الشيخ –رحمه الله- في مواضع أخرى.
[25]أثبته الدكتور محمد رشاد سالم بفتح الصا والأظهر بكسرها كما هو ظاهر المعنى.
[26]ها هنا يكثر تجاوز الحد ولربما يتجاسر بعض على بعض ، ومع ذلك فمن وقع منه شيء من ذلك وهو فيه مجتهد –وإن أخطأ- فخطؤه مغفور له ، وله أجر اجتهاده ، وما على الآخر -الذي وقع عليه البغي –إلا أن يصبر لأن هذا في حقه فتنة وبلاء ابتلاه الله به .
[27]هذا مثل لما سبق ذكره.
[28]هذه كلمة محقق ومدقق ، كل اجتهاد سائغ بلغ بصاحبه مبلغ الفتنة والفرقة ، فاعلم أن فيه نوع بغي من طرف على آخر ، فسبب الفتنة والفرقة هو البغي وليس الاجتهاد السائغ.
[29]هذا أصل من أصول أهل السنة ترك القتال في الفتنة، فانتبه لهذا الأصل ، وكذا الأصول الأخرى –وهي كثيرة- يذكرها هذا الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه هنا وفي غيره ، فاضبطها واعرفها ، فهو يذكرها مقرونة بأدلتها.
[30]هذا رأي لفقهاء وآخرين.
[31]مثال على ما حرره فيما سبق في تاريخ هذه الأمة.
[32]أصل آخر من الأصول في هذا الباب.
[33]أصل آخر من الأصول في هذا الباب.
[34]ليس كل بغي يدفع بالقتال ، بل قد يؤمر في بعض الحالات بالصبر وتوضيح ذلك بتفسير هذه الآية.
[35]أصله في البخاري برقم 2690 عن سهل بسهل الساعدي نحوه.
[36]هذا من أصول الشريعة.
[37]قلت لعل أصوب منها هنا أن يقال (فقتالها) .
[38]رواه البخاري 7081 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[39]رواه البخاري 7088 من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[40]رواه البخاري 3792 من حديث أسيد بن حضير  رضي الله عنه.
[41]رواه البخاري 7052 من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه.
[42]صحيح أبي داود 4772 من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وشطره الأول عند البخاري 2480 ، ومسلم 141.
[43]وهذا بيان لأصناف الناس فيما تنازعوا فيه في هذا الباب ، فمنهم المجتهد المصيب ، والمجتهد المخطئ، والمخطي الباغي ، والباغي من غير اجتهاد ، والمقصر فيما أمر به من الصبر .
نعم هكذا هي المسائل المتنازع فيها ، فالناس فيها من حيث الإصابة ، مجتهد مصيب له أجران ، ومجتهد مخطئ له أجر واحد ، ومن حيث البغي فقد يقع البغي من المخطئ على المصيب أو من المصيب على المخطئ ، ومن حيث الصبر فقد يصبر وقد يقصر فلا يصبر ، وفي كلام الشيخ رحمه الله توضيح لذلك
.
[44]لا تنس ما سبق ذكره مما يقيّد هذا المعنى وهو ماكان من اجتهاد سائغ فإنه لا يبلغ إلى مرتبة الفتنة والفرقة إلا مع نوع بغي.
[45]هنا أمر مهم قد يغفل عنه الكثير وهو الصبر  ، أن نصبر على من جهل علينا وظَلَمَ بغير تأويل ، فكيف إن كان مع ذلك نوع تأويل فهو بهذه الحال خطؤه مغفور له ، وأجره ثابت بالاجتهاد له، وفي مقابل من وقع عليه الظلم فهو هنا في محنة وابتلاء، واجبه تجاه ذلك الصبر.
[46]إذا كان العدل لابد منه ولو مع الكافر فكيف بالفاسق أو المبتدع المتأول من أهل الإيمان.
[47]صدق- والله- إنه موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا ، كيف لا وهو مبني على العدل ، وهو أساس قيام الدين والدنيا، وانظر مقالنا السابق في: العدل وفضله.
[48]انتبه أخي المسلم إلى فساد الشيطان وإفساده وسعيه في ذلك ، وكون هذا الباب موضع عسر قلما يسلم فيه الواحد من نوع تقصير.
[49]هذا من أسباب وقوع الفتن : - ترك ما أمر الله به.- أو ترك الصبر. فالعاقل يراجع نفسه وينتبه لحاله.
[50]كون الحق كاملا أن يجتهد في معرفة الحق ، ويصبر على ذلك ، فإن لم يصبر فقد ترك المأمور .
[51]هذا في حق المقصّر في معرفة الحق تجتمع عليه هذه الثلاث .
[52]قد يكون مصيبا فيما يتعلق بنفسه لا فيما يتعلق بغيره.
[53]هذا توضيح معنى كونه لم يصب في معرفة الحق في غيره.
[54]الأصلان هما: اعتقاده أن المؤذي محض باغ عليه وأن له أن يدفع ظلم المؤذي بكل ما يمكنه.
[55]كلام من ذهب فانتبهوا له وعوه وافهموه ، واعملوا به، فهذا مجتهد أصاب ، وذاك مجتهد أخطأ ، فوقع نوع أذى من المصيب على المخطئ، وكان أذى المصيب بنوع اجتهاد ، -ولو هو مخطئ فيه-  فهذا الأذى لا تردّه بما فيه فتنة أعظم في الأمة ، وبما هو شر أعظم مِن ظلم مَن ظلمك ،-على فرض أنه ظلمك- بل هذا في حق المظلوم محنة وفتنة واجبه فيها الصبر.
[56]فهما أمران قد يجتمعان في المظلوم أو يكون أحدهما ، جزع وضُعف صبر ، أو قلة علم وضعف رأي ، ومن ثمّ يترتب على دفعه للظلم عن نفسه ما هو شرّ مما لو صبر.
[57]قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
 فطريقك في العلم وتعليمه ، والدعوة إلى الله ونشرها ، هذا الطريق محفوف بالمضايق والمصاعب ، والفتن والمحن ، فإن أردت أن تسلكه فعليك أن تصبر في هذا الطريق ، وانتبه لقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ... }الحجر9 {...فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ }الإنسان24 ، فذكر أنه أنزل القرآن ، فقد يُنتظر هنا أن يقال : فاحمد لله على هذه النعمة ، أو نحو هذا، ولكن قال تعالى {...فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } ، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أنزل إليك في تحملك له ودعوتك إليه ، سيعتريك مصاعب فلابد أن تصبر لذلك ، هذا ما ذكره غير واحد من أهل العلم في معنى الآية،  وانظر إلى سورة العصر فقد تضمنت ذلك ، ولم أزل ولا أزال كلما رأيت لأهل العلم فهما سديدا وقولا رشيدا وتفسيرا معتمدا على ما دلت عليه سورة العصر، أعجب لذكاء الإمام الشافعي وأزداد إعجابا بهذا الإمام  الفذ اللوذعي ، وأمتلئ حبا بهذا الإمام الذي امتلأ علما وفهما وفقها، فما أقوى تدبره لكتاب الله ، وما أوعاه للآيات التي تُعدّ جامعة ، بحيث لو تدبرها الناس لكفتهم وكذا قال هو في سورة العصر فرحمه الله رحمة واسعة. اللهم آمين
.
[58]انتبه إلى هذين الشرطين وتدبّرهما ، ثم بعد علمك بهما اعمل بهما ، علما أن الآية نصت {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }الشورى43] فإن لم يتوفر الشرطان بأن عجز ، أو اعتدى في رد ظلمة فلا يجوز رد الظلم عن نفسه.
[59]يا سلام، ما أجمل هذه الكلمات ، ثم ما أشد فهم هذا الإمام لشرائع الإسلام ، ودقائق النصوص التي قد يرى بعضهم فيها تعارضا وعدم انسجام ، ففي حين يحذر من الفرقة والفتنة التي تنبني بين الناس عند اختلاف أقوالهم في أصول أو فروع ، ويشير إلى أصول ذلك ، لا ينسى مع هذا أن يقرّر أن مثل هذا الاختلاف وما قد ينبني عليه من فرقة وفتنة ، فذلك لا يمنع من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ووجه الجمع كما قال رحمه الله أنه يأمر وينهى ويصبر.
[60]انتبه لهذا كذلك تأمر وتنهى ، ولكن لا تنازع الأمر أهله ، بل تقوم بالحق الذي شرعه الله لك ، أما العواطف الزائدة ، العواصف البائدة ، فدعها ودعك منها فإنها كاسدة.
[61]يقصد بهذين الأمر والنهي ، والفتنة.
[62]بيان حال الحائر وسبب حيرته أنه قد خفي الحق عليه ، أو أنه وقع فيما يناسب هواه فتبعه.
[63]ضابط البدعة هو كل ما لم يشرعه الله تعالى وقد قال الإمام مالك رحمه الله : فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا.
[64]فانتبه لهذا التحقيق فكون مالم يشرعه الله بدعة هذا أمر ، وكون من اجتهد فوصل إليه بنوع تأويل هذا أمر آخر وهو لا ينفي أن يكون مالم يشرعه الله بدعة.
[65]ونظير كلامه هذا رحمه الله قوله في موضع آخر (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم . مجموع الفتاوى 19/191.
[67]فما وقعوا فيه من المخالفة مما لم يشرعه الله فهو بدعة قد يكون بعضهم قد اجتهد وتأول فوقع فيها ، ولكن المنافقين مع ذلك يجتهدون فيها عياذا بالله تعالى ، ولذلك استدل الشيخ رحمه الله بالآيتين، فانتبه لهذا.
[68]الحروف التي بين قوسين فيها الإشارة إلى تاريخ رقم آخر هذه المقالة بحساب الجمل:
فالباء يشير إلى الرقم 2 أي ثاني ليلة الشهر.
والباء بعدها إشارة إلى الشهر الثاني وهو صفر.
والواو إشارة إلى رقم 6.
والغين إشارة إلى الرقم 1000.
والتاء إشارة إلى الرقم 400.
واللام إشارة إلى الرقم 30.
فإذا جمعتها صارت 1436هـ



 
 
إقرأ المزيد...
السؤال:
هل الأوقات المضيقة والموسعة التي ينهى فيها عن الصلاة يجوز قضاء صلاة النافلة فيها ؟

الجواب
بالنسبة لقضاء النافلة فإن ذلك مما يستحب لمن فاتتح لسبب ما ، وقد رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فقال لعمران بن حصين لمّا ترك صوم يوم كان قد اعتاد صيامه قال له (اقض يوما مكانه) ، وكذا هو صلى الله عليه وسلم لمّا فاتته صلاة الظهر صلاها بعد العصر ، وذلك لعموم الحديث (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكر ، فذلك وقتها) .
أما إذا كان ذلك في وقت النهي ، فإن كان لقضائه للنافلة السابقة سبب ، صارت الصلاة ذات سبب ، وعند ذلك جاز له أن يصليها في ذلك الوقت ، وإن أخّرها حتى يدخل وقت الصلاة جاز له كذلك ، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه طاف بالبيت فجرا ، ولم يطف بالبيت إلا بعد دخول وقت الصلاة بعد طلوع الشمس ، وإن كان هذا في غير قضاء النافلة ، لكن المقصود هو في أداء الصلاة النافلة في وقت النهي .
نعم الذي عليه القول الصحيح هو مشروعية صلاة ركعتي الطواف في أي وقت ولو وقت نهي ، لعموم الحديث يا بني عبد مناف لا يمنعنّ أحد منكم أحدا طاف بالبيت أن يصلي ركعتين من أي ساعة شاء من ليل أو نهار)
والله أعلم  

وكتبه يوم الخميس

08/12/1435 هـ
02/10/2014 مـ
إقرأ المزيد...
السؤال:
هل يجوز رفع اليدين أثناء دعاء الإمام في خطبة الجمعة ، وفي دعاء القنوت في صلاة التراويح؟

الجواب
أما بالنسبة لرفع اليدين يوم الجمعة عند دعاء الإمام على المنبر ، فهذا لا يُشرع ، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما نقل عنه إنما هو إشارته بسبباته فقط –عليه الصلاة والسلام- .
وقد ثبت في صحيح مسلم [1] من طريق عمارة بن رؤيبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين ، لقد رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم – ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبّحة.
قال الإمام النووي رحمه الله (هذا فيه أن السنة أنه لا يرفع اليدين في الخطبة وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم ، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى ، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض)[2].
أما رفع اليدين في القنوت سواء في الوتر أو في صلاة التراويح فهذا مشروع ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الحسن بن علي كلمات يقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت....[3]
كذلك في التراويح في آخر الوتر ، يقنت كذلك [4] ، فهذا فيما يتعلق بالقنوت .
وأما رفع اليدين فيه ، فذلك ما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على أحد أو لأحد قنت في الركعة الأخيرة بعد الركوع إذا قال (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) ، وكان يجهر بدعائه  ويرفع يديه [5]، ويؤمّن من خلفه [6].
نعم قد يقال هذا في قنوت النازلة ، فالجواب أنه كله من جنس واحد وهو القنوت ، خاصة وأن رفع اليدين قد جاء عن بعض الصحابة ، جاء ذلك عمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي.
سئل أحمد : أيرفع يديه في القنوت؟ قال نعم يعجبني.
قال أبو داود : رأيت أحمد يرفع يديه.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يرفع الأيدي في القنوت ، وهو قول مالك والأوزاعي ونُقل عن الحسن وابن شهاب. [7].
وكتبه يوم الخميس
 1435/12/08
2014/10/02
*****************
[1]صحيح مسلم 6/476. رقم 874- مع شرح النووي
[2]شرح صحيح مسلم للإمام النووي6/476
[3]رواه أبو داود  برقم 1425، والنسائي رقم 1745 وأحمد 1/199، وهو حديث صحيح انظر إرواء الغليل 1/172 رقم 429
[4]رواه ابن خزيمة 2/155-156 برقم1100، وانظر قيام رمضان للشيخ الألباني –رحمه الله- ص23-24
[5]رواه أحمد 3/137
[6]انظر تخريج الحديث كله في صفة الصلاة – الأصل 3/954-961
[7]الآثار في كتاب الأوسط لابن المنذر 5/212-213

 
إقرأ المزيد...

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله