بســـــم الله الرحمن الرحيم

المقالة الثانية عشرة: منظومة لمّ الشمل

الحمد لله البر الرحيم، العليم الحكيم، رحم عباده بهذا الدين العظيم، وبفضله وخيره العميم، والصلاة والسلام على الرسول الكريم، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدّين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله تعالى بقلب سليم، وبعد:
فإن من الأصول التي استقرّ ت في شريعتنا الدعوة إلى الاجتماع والائتلاف، والنهي عن الفرقة والاختلاف، ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة جدا، قال تعالى  {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ....}آل عمران103 وقال {...وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ31 مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }الروم32-31، وقال ﷺ " الجماعة رحمة والفرقة عذاب"[1]، ولا شكّ أن دعوة الإسلام قائمة على الاجتماع، إذ أصلها العظيم ــــــ وهو أصلٌ في دعوة كلّ رسول ــــــ التّوحيد، توحيد الله تبارك تعالى بالعبادة والطاعة، وتوحيد النّبيّ ﷺ بالاتّباع، وعن هذا يسأل الناس أجمعون:
ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟

فمن حقّق الأوّل يكون قد حقّق توحيد الـمُرسِل، ومن حقّق الثاني يكون قد حقّق توحيد الــمرسَل، وفي تحقيق التوحيد يسعد الناس بالاجتماع التّام، والألفة العظيمة، وفي قوله تعالى  {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ....}آل عمران103 تقرير لـِمَثَلٍ عظيم يدلّ على هذا المعنى، أرأيت لو أن النّاس كانوا في طريق متشعّب الفجاج، لا يدرون أيّ فجّ يسلكون وينتهي بهم إلى برّ الأمان، ورأوا حبلا عظيما يسع الجميع، ويعلمون أن النجاة في اجتماعهم، أرأيت لو أنهم تمسّكوا به جميعا، أكانوا يتفرّقون بعد ذلك؟ لا ، إذ هو يجمعهم، ما دام يسعهم، فكيف بحبل الله تعالى، المتمثّل في الكتاب والسّنّة وبفهم سلف الأمة، فلا شكّ أن الاجتماع عليه والتّمسّك به سبيل إلى الائتلاف، ولابد في التّمسّك بالكتاب والسّنّة من اعتبار فهم السّلف، فهم أوّل من خُوطِب بهذه الآية، وقاموا بها خير قيام، ولذلك أُثِرَ عنهم رضي الله تعالى عنهم الأمر بالاجتماع والنهي عن الفرقة، وفي ذلك آثار كثيرة جدّا، والنّاظر في كتب العقائد يجد السّلف الصّالح يركّزون على هذا المعنى، قال الإمام الطّحاوي رحمه الله تعالى: (ونتّبع السّنّة والجماعة، وتجتنب الشّذوذ والخلاف والفرقة)[2]. ولذلك كان المتمسّكون بهدي السّلف أشدّ النّاس حرصا على الاجتماع ونبذ الفرقة، ولا يزال بين زمن وآخر  سعيهم ظاهر في ذلك، ولربّما يقع شيء من الفرقة أو الخلاف فيبادر أهل الأثر أتباع السّلف إلى التّذكير والحرص على هذا الأصل العظيم، ألا وهو الحثّ على الاجتماع والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، فبعد نصيحة أهل الإفتاء، وإرشاد العلماء، وكلام الفضلاء، وبعد رسالة الرّفق وما تضمّنته من رفق، ورسالة الائتلاف وما تضمّنته من إلفة، فها هو دُرٌّ فَؤُوحٌ، ونظم من عالم نصوح، يطلّ علينا من طابة الطّيّبة، أعني به منظومة (لمّ الشّمل) لشيخنا المفضال، صاحب الجُهد المتوال، والصّبر على الدّعوة والتّدريس في كلّ الأحوال، في رمضان وفي شوّال، وغيرها من الأماكن والأزمان.

وقد فرحت بهذه المنظومة، كما فرح بها أهل السّنّة وأذاعوها في مواقع كثيرة، فَرُحْتُ أُقَارِضُهَا بمثلها أو نحوٍ منها، وإن كنت لست من أهل الشّعر وفنِّه، ولا ممّن يجيد في قولِه، ولكن أحيانا تجود القريحة بأبيات، وتنتظم في ذهني أضرب وعَرُوضات، فتتسلسل تلك التفعيلات، على ما فيها من زحاف واعتلالات، فأقول هاهنا... وهاهنا ...كلمات ... وكلمات، فتجتمع تلك الأبيات، فيا نَاظِرِيــهَا تأمّلوا مافيـها، ويا قارئــــيــها اعتنوا بما فيها، ولست في المقام كما هو عليه شيخنا صالح السّحيمي حفظه الله تعالى ورعاه، وإنما حكيت الّذي حكاه، وناديت بمثل مُنَاداه، والمعنى على الكلمات ظاهر كلّ الظهور، كما أنّه طاهر غاية الطّهور، إذ ليس فيه إلا ما دعا إليه الكتاب المسطور، والوحي المزبور، وليس من وراء السّطور شيء مستور، وهو دعوة لأهل العلم والفضل للقيام بواجب الوقت المشهور، والتحذير من كلّ محظور، سائلا الله تعالى التّوفيق للجميع.

وسأبدأ بذكر منظومة شيخنا صالح السّحيمي، ثمّ أسرد من بعدها ما كتبته.
الحمد لله العظيم الشّْـــــــــان    ***    في كل يومٍ ربُّنا في شانِ
ثـم الصلاة على النبي محمد   ***   خـير البرية سيد الأكـوانِ
أهل العقيدة شمِّروا و تكاتفوا   ***   في قولكم و فعالكم بوزانِ
وامضوا لدرب الخير واعلموا شأنه   ***   واستبشروا بالنّصر و الرضوانِ
أنتم حماة الدين فابنوا صرحه   ***   صرحا عظيما شامخ البنيانِ
أنت هداة الحقّ في غسق الدُّجى   ***   فاستمسكوا بالحق و الإيمانِ
فلتستفيقوا ولتهبُّوا إخوتي   ***   و ترفَّقوا في النصح للإنسانِ
إني أَهيبُ بإخوتي أن يجمعوا   ***   لبناء صرح الحقّ دون توانِ
و تراحموا و تعاونوا إن رمتم   ***   دحر العدا و إغاظة الفتَّانِ
يا أمة منهاجنا التوحيد فل   ***   تتراحمي يا أمة الفرقانِ
إني أرى شبحا مخيفا محدقا   ***   بصفوفكم يا درَّة العقيانِ
قوموا بعزم وارحموا إخوانكم   ***   و تأهّبوا للعرض و الميزانِ
و تذكّروا  يوما  عبوسا آزفا   ***   فيه الحساب و صلية النّيرانِ
و دعوا الخلاف و للموا أطرافكم   ***   و تمسكوا بالشرع و الفرقانِ
واستمسكوا بالعروة الوثقى و لا   ***   تستسلموا لحبائل الشَّيطانِ
و تذكَّروا يوم القيامة دائماً   ***   يوم يُشيبُ مفارق الولْدانِ
رباه أشكوا ضعفنا و هواننا   ***   و شماتة الأعداء ذوي البُهتانِ
شبحٌ رهيبٌ فيه فَرْطُ صفوفكم   ***   و وقوعكم في الظُّلم و الهُجرانِ
فالتتّقوا الله الرحيم لعلّه   ***   ينجيكموا من موقف الخسرانِ
شَمِتَ الأعادي وانبروا لحصارنا   ***   جرّاء بعض جهالة الغلمانِ
إن القلوب لقد تنافر ودّها   ***   و تباعدت في السر و الإعلانِ
و الشامتون بنا تجمع شملهم   ***   و قدا استغلوا فرقة الإخوانِ
رباه من يدعوا أصيحابي إلى   ***   جمع الصفوف بشرعة الرحمنِ
ما هذه الأحكام تصدر فجأة   ***   بالظلم و التبديع و الهجرانِ؟
تصدّر الأحداث للفتن التي   ***   لم ينج منها العالم الربّانِي
قام الأصاغر يُرجُفُون بلمزهم   ***   بالبتر و الإلزام و الهذيانِ
 يا شيخنا المفتي تدارك أمرنا   ***   بالنّصح و التّوجيه و التبيانِ
هبوا سليل المجد مع إخوانكم   ***   درر الزمان ك (صالح الفوزانِ)
و كذا (اللًحيدانُ) الذي أفضاله   ***   معروفة في سائر الأوطانِ
يا شيخنا المفضال (عبد المحسنِ)   ***   ساهم بجهدك يا أخا العِرفانِ
قم يا (ربيع) الخير وادعُ شبابنا   ***   واجهد لرأب تصدع البنيانِ
هذا معالي الشيخُ (صالح) دائماً   ***   يدعوا الشباب بعَزْمَةٍ و تقانِ
سِيروا على النهج الصحيح و شمروا   ***   و تنافسوا في البرِّ و الإحسانِ
و كذا (الفقيهي) شيخنا أكرم به   ***   ينهى أُصَيحابي عَنِ الشَّنآنِ
يا صفوة الأشياخ أعلام الهدى   ***   هاتوا الدّوا لتشتُّت الخلّانِ
أنتم حماة الدين علية قومنا   ***   قوموا برأب الصدع كلّ أوانِ
و ختامها أدعوا إلهي مخلصا   ***   بنجاح مجهود صمام أمانِ
صلى عليك الله يا علم الهدى   ***   ما ناح قمريُّ و غرد ثانِ
        انتهى نظمه حفظه الله.

وبعد سرد منظومة شيخنا صالح السّحيمي حفظه الله تعالى، أقول:
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَـدَانِي *** إِلَى الْهُـدَى وَسَائِرَ اْلإِخْوَانِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّـلَامُ الثَّانِي *** عَلَى النَّبيِّ مُدَّةَ الْأَزْمَانِ
فَقَدْ قَرَأْتُ النُّصْحَ لِلْإِخْـوَانِ *** وَذَاكَ نَظْمُ شَيْخِنَا الرَّبَّانِ
اَلشَّيْخَ[3] صَالِحَ بْنَ سَعْدِ الْبَـانِي *** فِي الْعِلْمِ صَرْحًا شَامِخَ الْبُنْيَانِ
لَمَّا دَعَا أَنْ شَمِّرُوا تَكَاتَفُ[4] *** فِي قَوْلِكُمْ أَفْعَالِكُمْ سِيَّانِ
فَلْتَعْلَمُوا وَلْتَعْمَلُوا ثُـمَّ اصْـبِرُوا *** وَاسْتَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ وَالرِّضْوَانِ
يَا دُرَّةً مِنْ طِيبَةِ الْعَدْنَانِ *** فَاحَتْ أَرِيجًا أَذْهَبَتْ أَشْجَانِ
لِذَاكَ قُلْتُ مِثْلَهُو يَا أهْلَنَا *** ءَابَاءَنَا أَبْنَاءَنَا إِخْوَانِ
هُبُّوا إِلَى هَذَا الَّذِي دَعَاكُمْ *** فِيهِ التَّمَاسُكْ[5]، وَارْتِدَادُ[6] الْجَانِ
قَدْ أَبْدَ[7] نُصْحًا خَالِصًا وَصِدْقًا *** فَلْتَحْـذَرُوا يَا دُرَّةَ الْعِقْيَانِ
يَا حَامِلاً لِلْمَـنْهَجِ الرَّبَانِ *** وَجِّهْ نَصِيحَةً مَعَ التِّبْيَانِ
وَلْتَسْعَـدَنَّ بِالَّذِي يَسْعَدْ بِــهِي *** اَلْمُرْفِقُو فِي دَعْوَتِهْ والْحَانِ[8]
يَا مُبْتَغٍ لِلْفَضْلِ وَ الْإِحْسَــانِ *** سَاهِمْ بِجَهْدٍ يَا أَخَا الْإِيمَانِ
قُمْ يَـــا مُرِيدَ الْخَيْرِ  وَادْعُو جَاهِدًا *** وَاجْهَدْ لِرَأْبِ الصَّدْعِ فِي الْبُنْيَانِ
أَيْ شَيْخَ فَضْلٍ رَغِّبَنْ إِخْوَانَكَا *** وَاجْمَعْهُمُو  بِشِرْعَةِ الرَّحْمَـنِ
وَلْتَرْفُقُوا وَلْتَرْحَــمُوا أَصْحَابَكُمْ *** ثُمَّ لْتَرُدُّوا الْعَادِيَ الْفَتَّانِ
وَلْتُحْسِنَنْ ظَـنـًّا بِكُلِّ دَاعِي *** يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ الْعَظِيمِ الشّانِ
أَكْرِمْ بِشَيْخٍ فَاضِلٍ هُوَ اللَّذْ *** يَنْهَى أُصَيْحَابِي عَنِ الشَّنْآَنِ
لَا نَنْسَ إِخوَانًا مِنَ الطُّلَّابِ *** يَسْـعَـــوْنَ صُلْحًا خُـفْيَةً إِعْـلَانِ[9]
يَا إِخْوَتِي فَلْتُوصِلُوا إِخْوَانَكُمْ *** أَهْلَ النُّهَى وَالْعِـلْمِ وَاْلإِيقَانِ
جُهْدًا وَجِدًّا،ثُمَّ جُودُوا عَلْى الأُلَى[10] *** يَرْجُونَ مِنْكُمْ لُقْيَةَ اْلإِخْوَانِ
أَنْتُــمْ دُعَــاةُ الْحَقِّ فَلْتَنْعَمْ بِكُمْ *** أَوْطَانُنَا بِالْأَمْنِ وَاْلإِيمَانِ
أَعْزِزْ بِهـِمْ، فَالـْمَجْدَ حَقَّـــقُـوهُو *** وَاسْتَبْشِرِي يَا أُمَّةَ الْفُرْقَانِ
هَذِي الْمَعَالِي حَقِّـقُوا آَثَارَهَا *** فِـي دَعْـوَةٍ بِالسَّمْتِ وَالْعِرْفانِ
يَا رَبِّ إِنِّي سَائِلٌ أَوْ[11] طَامِعٌ *** فَلْتَجْبُرَنْ مَا شَتَّتَ الْخِلَّانِا[12]
ثُمَّ لْتُقَوِّ الْعَزْمَ وَلْمُمْ شمْلَنَا *** وَامْنُنْ عَلَيْنَا وَاسِعَ الْغُفْرَانِ
ثُمَّ لْتُصَلُّوا وَالسَّلَامُ تَتْرَا *** عَلَى النَّبِيِّ أَحْمَدَ الْعَدْنَانِ

فهذا ما جادت به القريحة من الأبيات، سائلا الله تعالى أن أكون قد وُفِّقْت فيها، ولا أنسى أن أذكّر  بمعنى كنت كثيرا ما أسمعه من أشرطة الشيخ الإمام وعلّامة الشّام أبي عبد الرّحمن محمّد ناصر الدّين الألباني رحمه الله تعالى، وهو أنّ دعوتنا ليست مبنيّة على التكثيف ثمّ لا تثقيف، بل دعوتنا مبنيّة على (ثقّف ثمّ كثّف)، فالعبرة بالتّعليم والتّزكية، بالتّصفية التّربية، والله تعالى أعلم.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.

قاله بفمه وكتبه بيده
أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدّة
غفر الله له ولوالديه ولـمشايخه وإخوانه المؤمنين

وكان الانتهاء من كتابة آخر حروفه، ليلة الأحد الثالث والعشرين جمادى الثانية 1436 هــ، الموافق 12/04/2015
ثم زدت فيها أشياء بعد ذلك
فانتهت إلى ما هي عليه صبيحة
يوم الإثنين الثامن رجب1436 هـ  الموافق 27/04/2015

***************************
[1]   أخرجه عبد الله في " الزوائد " (4 /278 و 375) وابن أبي عاصم في كتاب "السنّة" (ص44 رقم93) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وحسنه الشيح الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/272 رقم 667).
تنبيه: ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أن الحديث أخرجه أحمد وابنه في الزوائد، وذكر أن المنذري ـ وتبعه السيوطي ـ عزاه لعبد الله بن أحمد، ففاته أن أحمد رواه في مسنده، لكن قد ذكر محققو المسند ــ الشيخ شعيب و من معه ـ (30/390 برقم 18449 و 392 برقم18450) و(32/ 95 يرقم 19350)أن ما جاء في بعض النسخ: (حدثنا عبد الله حدثنا أبي) خطأ، وكذا قال محققوالمسند ــ طبعة المكنز ــ (8/ 4199 يرقم 18740)و(8/4446 ـ 4447 برقم 19658 و19659).   
[2]ومثل ذلك في كتب "السّنّة"، وكتاب اللالكائي وكتاب الشّريعة والإبانة والحجّة، وغيرها من كتب السّلف في تقرير العقائد.
[3]يجوز فيه الجرعلى البدلية، والنصب على الاختصاص، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو.
[4]أي: وتكاتفوا، وحذف الواو هنا للوزن.
[5]أصله: التّماسكُ، والسكون للوزن.
[6]أي ردّ كيد الجاني.
[7]أصله: أبدى، وحذف الألف المقصور للوزن.
[8]الحاني، من الحنو بمعنى العطف.
[9]أي في السر والإعلان.
[10]تنطق هكذا: ( عَلْأُلَى) للوزن.
[11](أو) هنا بمعنى الواو، وهو مستعمل في اللغة.
[12](الخلان) هنا منصوب، فهو مفعول به لفعل شتّت، وكسرته للرّوي.
إقرأ المزيد...
بـــــسم الله الرحمن الرحيم
 

التَّرْغِيبُ في مُرَاقَبَةِ الرَّقِيبِ

(سبحانه وتعالى)


الحمد لله العلي الأعلى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السرّ وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، والصلاة والسلام على النبي الأسمى والرسول الأتقى، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الأهدى، وعلى من تبعهم بإحسان بقلب أوفى و عمل أنقى، إلى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب أصفى و عمل أبقى، وبعد:

فإنه مما قرّرته نصوص هذه الشريعة العظيمة أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، كما قال تعالى {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) } [النجم 36-39]، وفي الحديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ " مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " وفي رواية زيادة " ولو بكلمة طيبة" [1]، وهذا مما يحفّز المؤمن على أن ينتبه لِمَا يعمل وما يقدِّم لنفسه، وأصل هذا مراقبة الله تعالى في السرِّ والعلن، في القول والعمل، فِيمَا يأتي العبدُ ويذر، وإن أردت تطبيق ذلك فانظر إلى القول أو العمل الذي تريد أن تقول أو تعمل، هل هو حقّ أو باطل؟ هل هو صدق أو كذب؟ هل تريد به وجه الله تعالى حقًّا؟ وهذا السّؤال يحتاج إلى تروٍّ، فأمر الإخلاص ليس بالسّهل، إذ هو أمر يتعلّق بالقلب، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء، وقد كان النبي ﷺ يكثر من دعاء "اللَّهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" فإذا قيل له في ذلك، قال: " إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّــــــبُــــها"[2]،فلننتبه أخي المسلم، أختي المسلمة، ننتبه إلى ما نأتي وما نذر، ما نقول وما نعمل، هل نحن نريد به وجه الله تعالى حقًّا؟ إن من الأقوال والأعمال ما من شأنه أن يرفع أو يضع، أو أن يثبت حقًّا أو يبطله، و لَرُبَّمَا أنت صاحب هذا القول، أو صاحب هذا العمل، أو صاحب هذه الشهادة، أو أنت من أشاعها وروَّج لها، أو غير ذلك من الاحتمالات الواردة والمتوقَّعة، وهي احتمالات حقيقية، ليست مجرد تخرُّصات أو ظنون، لا واقعا لها، فليراقب العبد نفسه، وليستحضر أن الله تعالى رقيب على أعماله وأقواله.       

ثمّ لننظر كذلك هل هذا القول أو العمل على وفق سنة رسول الله ﷺ؟ هل هو مما يرضي الله تعالى؟ أو مما يَسخطه اللهُ تعالى؟
إن استحضارك لهذه المعاني، مع ملازمتك لمعنى اسم الله تعالى (الرقيب)، هذا من التعبّد لله تعالى باسمه الرقيب، ويجعلك تنظر إلى ما تُقدِّم وما تُؤخِّر، وعندها تحسن القول والعمل، فإذا قدمت على الله تعالى، ووقفت ين يديه ليس بينك وبينه ترجمان، فإذا نظرت من عن يمينك وجدت ما يفرح ويسرُّ، وإذا من عن يسارك وجدت كذلك ما يفرح ويسرُّ، وَيَا لَسَعَادَتِكَ حينها، وساعتئذ، فتنادي عندها هآؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني ملاقٍّ حسابيه، وأنعم بها يومئذ من عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، فلتأكل ولتشرب بما كنت قدَّمت في الأيام الخالية، وأما إن كانت الأخرى ــــــــ وأعيذ نفسي وإيّاك منها ـــــــ فعندها يتمنى الواحد أن لو لم يُعْطَ كتابَه، ولم يدر ما حسابَه، بل ويتمنى أن لو كانت القاضية، فلا أغنى ماله عنه، ولا دافع عنه سلطانه، فما تظنّ بمثل هذا أن يكون حاله، وإلى أين ينتهي مآله.
إذًا فالعبرة بأن تراقب الله تعالى في السِّرِّ و العلن، واعلم حقيقةَ ما أنت عليه، وما  فيك، فذاك ما يحاسبك الله تعالى عليه، وما أجمل الكلمة التي قال الإمام ابن المبارك، وذلك فيما رواه الإمام ابن عساكر بسنده إلى عتاب بن زياد قال سمعت ابن المبارك يقول: [ يا ابن المبارك إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك ][3] .
صدق ــــــــ والله ــــــــ رحمه الله تعالى، وأقول إتماما لكلامه رحمه الله تعالى:

إذًا فلا تحزن، ويا فلان إذا عرفت نفسك لم ينفعك ما قيل فيك، فلا تغترّ.

فلو أن الإنسان راقب الله تعالى في أقواله وأعماله، فعلم حقيقة ما هو عليه، فليس ما قيل فيه بضارِّه إن كان لم يفعله، وليس ما قيل فيه بنافعه إن كان لم يفعله.
وها هو الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى ــــــ في تواضع عالٍ ـــــــ  يبيّن لنا ذلك مرّة أخرى، وذلك فيما رواه ابن عساكر بسنده إلى  علي بن عبد الله العابد قال: كنت جالسا مع عبد الله فجاءت امرأة فقالت: (يا عبد الله، إني رأيت لك قصرا له من الشُّرَفِ كذا وكذا، قال وعبد الله ساكت، ثمّ قال لها بالفارسية إنه يرى الرؤيا)، أي قد ترى الرّؤيا الصالحة للرّجل السّوء[4].

فانظر إلى حقيقة معنى هذا الكلام، ممّا يُنْبِيكَ على ما سبق تقريره، فالعبرة بمراقبتك الله تعالى، أن تراقب ما تقول وما تعمل، ما تأتي وما تذر، وهذا يحتاج منّا إلى حرص وعناية، ومراقبة ورعاية، نسأل الله تعالى أن يُيَسِّر لنا ذلك بمنِّه وكرمه، وأن يفتح علينا من فضله وتوفقيه، فاللّهمّ إنا نشهد أن قلوبنا بين أصبعين من أصابعك تقلِّـــــبُـــها كيف تشاء،  اللّهمّ فثبِّتها على دينك، على طاعتك، على سنّة نبيِّك ﷺ، اللّهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونّن من الخاسرين، اللّهمّ آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها أنت وليُّها ومولاها، اللّهمّ اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وجنِّبنا مساوئ الأخلاق لا يجنِّبنا مساوئها إلا أنت، ورحم الله عبدا قال آمين، وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

وكان آخر  لفظه وكتبه من صاحبه 
 أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر بن خدة        
  بعد عشاء يوم الإثنين 25/05/1436 هـ
الموافق 16/03/2015   

 
******************************************
[1] رواه البخاري (9/148) [كتاب التوحيد ـ باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم- رقم 7512] ـــ طبعة محمد زهير بن ناصر الناصر ـــ ومسلم [كتاب الزكاة / باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو بكلمة طيبة وأنها حجاب من النار/ حديث رقم 1016].
[2] رواه أحمد في"مسنده" (19/160) والبخاري في "الأدب المفرد" [باب دعوات النبي ﷺ، حيث رقم 683] والترمذي [ أبواب القدر/ باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن / حديث رقم 2140] ط- بشار، من حديث أنس رضي الله عنه،وإسناده صحيح
[3] "تاريخ دمشق"(32/446).
[4] "تاريخ دمشق"(32/446 ـ 447)، قال المحقّق: [في المطبوعة: إنه ترى الرؤيا الصالحة للرجل السوء].
إقرأ المزيد...

جديد الدروس المفرّغة

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيا…

تفريغ لسلسلتين بعنوان (تسهيل مسائل الصيام) من كتاب (المعونة على مذهب عالم المدينة) للشيخ محمد بن خدة

بسم الله الرحمن الرحيم تَفْرِيغٌ لِسِلْسِلَتَيْنِ بِعُنْوَان (تَسْهِيلُ... إقرأ المزيد

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان…

هذا تفريغ (مكتمل!) لسلسلة مباركة بعنوان.[شرح المقدمة الآجرومية] للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة

هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان. [شرح المقدمة الآجرومية] ... إقرأ المزيد

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث …

فريغ لسلسلة مباركة قيمة بعنوان شرح حديث جابر رضي الله عنه في صفحة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم هذا تفريغ لسلسلة مباركة قيمة... إقرأ المزيد

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر…

تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب انشراح الصدر) pdf لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. تفريغ الخطبة الرائعة (أسباب... إقرأ المزيد

كل الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد بن خدة حفظه الله